في تطور لافت وعلى عكس التوقعات، وجه الرئيس الموريتاني المنتهية ولايته، محمد ولد عبد العزيز، دعوة لجبهة البوليساريو الانفصالية من أجل حضور حفل تنصيب الرئيس المنتخب حديثا محمد ولد الغزواني، والذي سيقام في فاتح غشت المقبل في العاصمة الموريتانية نواكشوط.

قرار استدعاء البوليساريو صدم المغاربة كثيرا، خاصة بعد وصول ولد الغزواني إلى سدة الحكم، والذي كانت الآمال معقودة عليه من أجل الوصول إلى حل واقعي بخصوص قضية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.

ولتسليط الضوء أكثر على الموضوع، “المصدر ميديا” اتصلت بشيخاني ولد الشيخ، رئيس الجمعية الموريتانية المغربية للدفاع عن الوحدة المغاربية، وأجرت معه الحوار التالي:

– كيف ترى مستقبل علاقة دولة موريتانيا بدول الجوار بعد انتخاب محمد ولد الغزواني رئيسا جديدا؟

أولا لابد من الإشارة والتذكير إلى أن المعني لدى موريتانيا بوصف دول الجوار هم دول: المغرب، السنغال، مالي، الجزائر، واليوم بانتخاب محمد ولد الغزواني رئيسا جديدا للجمهورية الإسلامية الموريتانية، إن الشعب الموريتاني يعيش انتقالا ديمقراطيا يمكن تشبيهه بالعرس الديمقراطي، وإزاء هذا الجو المريح المفرح، لا مجال للنظرة السوداوية لمستقبل علاقة موريتانيا بجيرانها، بل إن التجربة وحسن التدبير اللذين يتميز بهم الرئيس المنتخب محمد ولد الغزواني خلال مساره المهني في تسيير الشأن العام، يجعلان من مستقبل موريتانيا مع جيرانها مستقبلا واعدا، وبالنسبة للمغرب كمركز للإشعاع الروحي وعاصمة للاندماج المغاربي فموريتانيا تبقى عمقه الاستراتيجي، ويمكنه التعويل على رئيسها الجديد في إعطاء دفعة قوية لعلاقات من التعاون المثمر بينهما، لأن محمد ولد الشيخ الغزواني تعود جذوره إلى زاوية “الغظف” الشاذلية من ناحية، ما يجعل من البعد الروحي حاضرا بقوة في نشأته وتربيته، ولأنه من زاوية أخرى، متشبع بوعي وطني كبير مع إدراك تام لمختلف التحديات والتهديدات والرهانات الحالية.

وفيما يتعلق بدولة السنغال فهي دولة شقيقة وصديقة ويربطها كذلك بموريتانيا بعد روحي، ومشروع اقتصادي عملاق يقوم على الغاز الطبيعي المسال، ومن مصلحة البلدان توظيف هذه الثروة الطبيعية في سبيل قيادة النهضة التنموية لجنوب-جنوب، واكتساب التقنيات الحديثة للغاز المسال الطبيعي ( GNL)، أما بالنسبة لجمهورية مالي، فهناك آفاق مع الرئيس الموريتاني الجديد في مفاجئة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس الذي صرح مؤخراً بأن قوة “5ـ ساحل” لن تقضي على الإرهاب… ولأنه من مصلحة موريتانيا استقرار مالي ستكون هناك مفاجآت.

أما الوضع في الجزائر فقد عاد إلى مربعه الأول، فالأزمة الدستورية تلقي بظلالها من جديد.. فمن عدم أهلية بوتفليقة الصحية إلى انتهاء عهدة بن صالح الدستورية، ومن المؤكد جدا بأن موريتانيا برئيسها الجديد لن تتدخل في الشؤون الداخلية الجزائرية، وفي حال تفاقم الأزمة الجزائرية فلا ريب بأن وحدة أراضي الجزائر تشكل عامل استقرار للمنطقة برمتها. وخلاصة رؤيتي بأننا مطمئنون على مستقبل موريتانيا الجديد.

– توجيه الدعوة لجبهة البوليساريو الانفصالية لحضور حفل تنصيب ولد الغزواني رئيسا لموريتانيا قرار مفاجئ وغير متوقع، خاصة وأن ولد الغزواني تربطه علاقة طيبة بالمغرب بحكم دراسته وتكوينه العسكري في المملكة. في نظرك، إلى أي حد سيؤثر هذا القرار على مستقبل العلاقات بين البلدين في عهد ولد الغزواني؟

بالرغم من أن دعوة جبهة البوليساريو الانفصالية فيها ضرب باتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 عرض الحائط، وعدم مراعاة بعض الخصوصيات للرئيس ولد الغزواني، فإنه خطأ اقترافه دونه عذر لانعدام أهليته نتيجة صدوره عن الرئيس المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز، ولم يكن مفاجئا بالنسبة لنا، لأننا حاولنا تلافيه قبل صدور الدعوة ببيان للجمعية الموريتانية المغربية للدفاع عن الوحدة المغاربية، دعونا فيه إلى عدم توسيع دائرة حملة الاضطهاد التي شنها عناصر من البوليساريو ضد ولد الغزواني، بدعوة الانفصاليين إلى حضور مراسيم حفل تنصيبه… وبالتالي فقد أبدينا من جهة أسفنا بشأن توجيه هذه الدعوة للانفصاليين، تماما كما أبدى موريتانيون يحذوهم الأمل في تمثيل دبلوماسي مغربي كبير على حفل التنصيب، أن المتسبب في هذه الدعوة بات نقمة على الدبلوماسية الموريتانية، وفي نظري فإن الدعوة التي على هذا النمط دعوة مبتورة وسلبياتها تؤثر فقط على من تسبب في وجودها، ولا مستقبل لها.

– دعوة جبهة البوليساريو الانفصالية إلى حفل تنصيب ولد الغزواني يحمل العديد من الرسائل بخصوص قضية الصحراء المغربية، خاصة في فترة يعيش فيها زعيم الجبهة إبراهيم غالي عزلة كبيرة بعد سحب العديد من الدول الاعتراف بالبوليساريو، ألا يمكننا الحديث هنا عن وجود قوى خارجية غير الجزائر تعمل على عرقلة مسار العلاقات الثنائية بين الرباط ونواكشوط في عهد ولد الغزواني خاصة الإمارات العربية المتحدة التي باتت مؤخرا بحكم الأزمة الحالية مع المغرب تعدّ موريتانيا ورقة استراتيجية للضغط على المغرب؟

بحسب فهمي، فإن التأكيد الأخير للإمارات العربية المتحدة أمام اللجنة الـ24 التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة كان موقفا ثابتا وداعما للوحدة الترابية للمملكة المغربية، إضافة إلى المباحثات الهاتفية التي أجراها جلالة الملك محمد السادس مع ولي عهد أبو ظبي الأمير الشيخ محمد بن زايد قبل أيام حول تطورات المنطقة، فإن كل هذه المعطيات تفند وجود أزمة بين الإمارات والمغرب، ولا يصح مع هذه المستجدات، استخدام الإمارات لإستراتيجياتها في المنطقة للضغط على المغرب، وفي تقديري، فإن فإن مبدأ رابح – رابح أفضل من استراتيجية على قاعدة خاسر- خاسر، ومشاركة ولي عهد أبو ظبي الأمير الشيخ محمد بن زايد في المسيرة الخضراء عام 1975 تعصمه من هذه المزايدات، وخاطئ من يتصور بأن إثارة هذه الورقة تخدم المنطقة.

ولا أعتقد أن الجزائر بوضعها المعقد اليوم تستطيع عرقلة مسار العلاقات الثنائية بين الرباط ونواكشوط في عهد ولد الغزواني، ولا أظن بأنه بعد انتصارات المغرب الدبلوماسية سيكون فك عزلة البوليساريو في حضور رئيس الانفصاليين لمراسيم تنصيب ولد الغزواني، ولا أرى بأن هذه الدعوة الهامشية تحمل رسائل اعتراف مبطن بالجمهورية الوهمية أو شيء من هذا القبيل، فالموقف الموريتاني الرسمي من الصراع المفتعل في الصحراء المغربية واضح، والذي أعلن عنه الرئيس الموريتاني الجديد في حملته الانتخابية هو الحياد ومؤازرة جهود الأمين العام للأمم المتحدة لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء.

– على المستوى الداخلي، هل ترى أن ولد الغزواني قادر على حل العديد من الأزمات التي تواجهها موريتانيا في الآونة الأخيرة؟

 

بكل تأكيد، وأعتقد بأن الحلول المتاحة الآن من طرف حكومة وقت بدل الضائع لا تمت للرئيس الجديد بصلة، سواء فيما يتعلق بموضوع كاتب المقال المسيء للجناب النبوي الأقدس، أو ما يتعلق بالحوار الوطني الشامل، أو ما نسمعه اليوم من حديث عن حوار وطني شامل جديد.. على إيقاع إتفاق داكار الذي لا يلزم منه بشيئ، إن ما نسمع ونراه الآن من حلول متاحة، إنما هو فخار يكسر بعضه، بشكل أو بآخر، ريثما يتم تشكيل النظام الموريتاني الجديد.

14/07/2019