مؤتمر الوحدة الوطنية 12 أكتوبر 1975.. كذبة البوليساريو الكبرى.

الحقيقة الساطعة والصادمة، والتي تكشفت مع تواتر الشهادات التاريخية المتعلقة بفترة تأسيس البوليساريو حتى بات الجميع يعلمها، رغم التواطؤ المفضوح على حجبها، هي أن لقاء "عين بنتلي" 1975، لم يكن سوى اجتماعا تفاوضيا عاديا جمع وفدا لشيوخ ووجهاء وإداريين صحراويين محسوبين على الإدارة الاستعمارية الإسبانية، في مقابل وفد آخر ضم عناصر قيادية في البوليساريو، حضره صحفيون صحراويون وإسبان، لكن لم ينجم عنه أي إعلان أو توصيات ولا هم يحزنون... 

فكيف إذن صار مجرد اجتماع عادي رمزا ل"وحدة وطنية" مزعومة، اتخذتها البوليساريو مرجعا لشرعيتها السياسية زورا وبهتان، مستغلة رمزية الشيوخ، ومشروعيتهم التاريخية والانتخابية، من خلال ادعاء تأييدهم وانخراطهم فيها؟ رغم ما يمثله الاستناد الى شيوخ القبائل من تناقض مع المبادئ والمرجعيات التقدمية التي لطالما روجتها البوليساريو وتغنت بها.. 

ف"عين بنتيلي" بحسب أكثر من شاهد عيان حضر اللقاء، من أهمهم المسؤول السابق في الإدارة الاستعمارية الإسبانية، أفلواط محمد سعيد، فقد عقدت لأهداف تفاوضية محضة، بهدف تدارس عرضٍ مقدمٍ من اسبانيا، حمله شيوخ أعضاء في مجلس "الجماعة" الهيئة التمثيلية الوحيدة لسكان الإقليم حينئذ، وتضمن اقتراحا بمنح إقليم الصحراء الغربية حكما ذاتيا لفترة محددة يعقبه تمكين الإقليم من الاستقلال، تعهدت الإدارة الاستعمارية بالعمل من خلال فترة الحكم الذاتي المقترحة على تحضير إدارة محلية سيتم إشراك البوليساريو فيها، لتعنى بتدبير كيان مستقل في الاقليم لاحقا.. 

عرضٌ سخي حمله الشيوخ إلى وفد البوليساريو الذي تزعمه الولي مصطفى السيد، والذي بحسب ذات الشهود العيان أبدى تأييده الشخصي لمقترح الإدارة الإسبانية، لكنه تذرع بضرورة استشارة رفاقه في قيادة الجبهة، ملتزما بالدفاع عنه أمامهم، قبل أن يسارع الى ابتعاث مندوب لحق على عجل بالشيوخ في أقل من 48 ساعة، بعد وصولهم لمدينة العيون مباشرة، ليخبرهم برفض قيادة البوليساريو للمقترح، وبالتالي تنصل الولي مصطفى السيد من الالتزام الذي قدمه لهم.. 

تطورات هامة جاءت في فترة حساسة تميزت بضعف الدولة الإسبانية التي كانت تشهد انتقالا عسيرا للسلطة، من نظام فرانكو الفاشيستي إلى ملكية دستورية منفتحة على الغرب، كان خوان كارلوس يحاول إرساءها، في سياق تحديات دفعت بالملك الشاب إلى محاولة التخلص من ثقل مستعمرة الصحراء الغربية، والبحث عن شركاء لتدبير انسحابه من الإقليم الذي الذي كان ينازعه عليها أكثر من طرف.. 

سرعان ما ستجابه إسبانيا برفض البوليساريو لعرضها المقدم عن طريق شيوخ "الجماعة" في نفس الوقت الذي ستقلى فيه ترحيب كل من المغرب وموريتانيا الذين تراجعا جزئيا عن مطالبهما بضم الإقليم كاملا، وهو ما تُرجم من خلال اتفاق مدريد الذي أعقب لقاء "عين بنتيلي" بأيام قليلة.. 

الآن وبعد مضي 45 عاما، لا يزال من الصعب الوقوف على مدى صدق نوايا إسبانيا إزاء بقية الأطراف جميعا، فهل كانت تنوي فعلا الإلتزام بتنزيل عرضها المقدم للبوليساريو، أم أنها كانت تناور مع الجميع، بغية ربح الوقت، دون أن تحدد قرارها بشأن شريكها المستقبلي في التخلص من عبئ إدارة الإقليم قبل التوقيع على اتفاق مدريد.. 

على العموم ورغم الالتباس المحيط بموقف الإدارة الإسبانية، فمن الواضح أن قيادة البوليساريو لم تكن في مستوى التحديات التي واجهتها، ربما  بحكم ضعف تجربتها ومحدودية ثقافتها السياسية، فضلا عن خضوعها لداعميها ليبيا و الجزائر، هذه الأخيرة التي اضطرت لتوها آنذاك لاحتضان الجبهة ومحاولة اختراقها خوفا من تواجد تنظيم عسكري تابع لغريمها القذافي على حدودها الغربية.. 

خلاصات مفجعة تفتح الباب على مصراعيه أمام تقييم تجربة البوليساريو ككل، فإلى جانب التحريف المفضوح للأحداث التاريخية المعاصرة، فقد باتت الأهداف والغايات المعلنة من طرف الجبهة موضع تشكيك. فكيف لتنظيم ينشد إخراج المستعمر وإقامة دولة مستقلة أن يرفض عرضا مغريا من قبيل العرض الذي قدمته الإدارة الاستعمارية وحمله الشيوخ لوفد البوليساريو في لقاء "عين بنتيلي"، فضلا عن أن قبول العرض المقدم كان سيجنب الصحراويين مآسي وكوارث هائلة، لا يزالون يدفعون ثمن تبعاتها الباهظ... 

أما مصير الشيوخ، فتلك مأساة أخرى سنتطرق إليها في تدوينات مفصلة مستقبلا، تشمل لقاء آخر جمعهم بقيادة البوليساريو في نوفمبر 1975 بگلتة زمور، بعد أن تكشفت مخرجات اتفاق مدريد، وأعقبه استهداف لأعضاء "الجماعة" من طرف البوليساريو، إغراء وإكراها وحتى اختطافا، ثم تهميشا واحتقارا إبان استقرارهم في المخيمات، في محاولة للاستحواذ عليهم باعتبارهم أعضاء الهيئة التمثيلية الوحيدة السكان، في سباق مع بقية الأطراف، لادعاء شرعية سياسية مزعومة.. 

كونوا_أحرارا..