المغرب و اسبانيا: الاستقرار الحذر

said saddiki

حوار حول واقع العلاقات المغربية الإسبانية وآفاقها، نشر في صحيفة ”الأيام الأسبوعية“، العدد رقم 973، 30 دجنبر 2021 إلى 15 يناير 2022.
وهذا هو النص الكام للحوار:

تعرف العلاقات المغربية الإسبانية مدا وجزرا باستمرار، ولطالما وسمت بالتوتر مثل ما حصل عقب استقبال مدريد زعيم البوليساريو، كيف ترى مستوى العلاقات بين البلدين اليوم؟
هناك ثلاث دوائر التقاء المصالح المغربية الإسبانية وتضاربها أحيانا:  دائرة القضايا الآنية، ودائرة القضايا متوسطة المدى، ودائرة القضايا الاستراتيجية أو البعيدة المدى.
بالنسبة للدائرة الأولى فتضم القضايا المستجدة والتي تكون غالبا انعكاسا لتغيرات المشهد السياسي الداخلي الإسباني، لاسيما عندما يقود اليمين الحكومة أو يكون التيار الشعبوي طرفا أساسيا فيها. فرغم أن الخلافات الآنية قد تأخذ مظاهر سياسية مرتبطة بقضية الصحراء أو تدبير الحدود والهجرة… فإنها تكون غالبا انعكاسا للتحول السياسي الظرفي في إسبانيا. فمثلا الأزمة السياسية الكبيرة بين البلدين في 2002 حدثت خلال تولي اليمين الحكم في إسبانيا، وما لبثت أن عادت العلاقات بينهما تدريجيا بعد مغادرة اليمين سدة الحكم. وعليه فإن مثل هذه الأزمات تمر خلال شهور أو سنوات قليلة، ويمكن تجاوز تداعياتها تدريجيا.
وأما الدائرة الثانية فهي المهمة، والتي ينبغي استثمارها جيدا لتعزيز علاقات التعاون بين البلدين والتي تضم المصالح الاقتصادية المتبادلة، وتدبير قضية الهجرة، والتعاون الأمني، ومراقبة الحدود المشتركة…. هذه الدائرة هي العمود الفقري للعلاقات بين البلدين وتتأثر عادة بدرجات متفاوتة بالتحولات التي تشهدها الدائرة الأولى، لكن هذا التأثير يكون ظرفيا، لأن المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية المتبادلة في هذه الدائرة تجعل الدولتين تتعاملان بحكمة وحذر في تدبير ملفات هذه الدائرة الثانية.
وتتمثل الدائرة الثالثة في القضايا الاستراتيجية التي تفرضها الجغرافيا أو الموروثة عن قرون أو عقود مثل قضية سبتة ومليلة وباقي الجزر المغربية المتوسطية، وقضية الصحراء (التي تتأرجح بين الدائرتين الثانية والثالثة، لكنها أقرب للثالثة في نظري)، ونظرة أو تصور (perception) كل دولة إلى الأخرى. تنأى حاليا الدولتان عن إثارة هذه القضايا باستثناء بعض المناسبات ولاسيما من الجانب المغربي، وهو يفعل ذلك ليذكر العالم حتى لا تسقط هذه الحقوق التاريخية بالتقادم. يبدو أن عامل الزمان وتغير بنية النظام الدولي، والتحولات المستقبلية في ميزان القوى بين البلدين هي العوامل التي ستوفر الظروف الملائمة لمعالجة قضايا هذه الدائرة.
وعليه فإن ما شهدته العلاقات المغربية الإسبانية من خلافات خلال الشهور الماضية مرتبط بالدائرة الأولى، وهي أزمة ظرفية، لذلك شهدنا خلال الأسابيع الأخيرة رسائل ومؤشرات متبادلة لتجاوز هذه المرحلة.

منذ الأزمة الأخيرة، تعرف العلاقات بين البلدين تهدئة يصفها البعض بـ"الهشة"، ما مصير التهدئة الهشة مع إسبانيا؟
مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات القليلة القادمة مرتبطة في القدرة على إدارة قضايا الدائرة الأولى والتحكم في التداعيات السياسية لوصول حزب يميني أو شعبوي إلى الحكم. طبعا ليس من مصلحة المغرب أن تظل علاقاته مع إسبانيا رهينة للمشهد السياسي الداخلي الإسباني، لذلك عليه أن يحدد خطوطا حمراء أو حدا أدنى لهذه العلاقات بغض النظر عمن يقود الحكومة هناك. لكن بالمقابل فإن على المغرب أن يؤكد أنه فعلا شريك موثوق به ليس فقط لإسبانيا بل أيضا للأوروبيين. ولعل دخول عدد كبير من المواطنين المغاربة بشكل جماعي إلى مدينة سبتة في نهاية شهر أبريل 2021 بشكل غير نظامي، بقدر ما شكل ضغطا على الحكومة الإسبانية، فإنه أيضا رسالة سياسية وأمنية سلبية للاتحاد الأوربي، وربما للعالم.
العلاقات الاقتصادية بين البلدين كبيرة ومصالحهما في هذا الجانب متداخلة بشكل كبير، كما أنهما في حاجة ماسة للتعاون الثنائي في القضايا الأمنية وإدارة الحدود، لكن نقط الضعف التي تجعل هذه العلاقات معرضة للأزمة هي القضايا السياسية بالدرجة الأولى. فعلى المستوى الاقتصادي ستستمر حاجة إحداها للأخرى، وقد ظهر هذا جليا في دفاع إسبانيا على الاتفاقين التجارين بين المغرب والاتحاد الأوروبي رغم قرار محكمة العدل الأوربية بهذا الشأن. وهذا مؤشر مهم على أن الدولتين رغم ما يطبعهما من تنافس اقتصادي وتجاري في بعض المجالات فيمكن أن يحققا نوعا من التكامل بينهما، ويصيرا فعلا شريكين اقتصاديين كبيرين برؤية استراتيجية، وليس فقط استجابة لعامل القرب الجغرافي.

وهل تتوقع أن يكون إصلاح العلاقات بين الرباط ومدريد على سلم أولويات البلدين في 2022؟
يبدو أن العلاقات المثلى بين المغرب وإسبانيا في ظل  النظام الدولي والإقليمي الحالي هو العودة إلى الوضع الذي كانت عليه قبل أن يشارك حزب بوديموس في الإتلاف الحكومي في أواخر 2019. وأتوقع أن تنفرج الأزمة تدريجيا، وتتحسن هذه العلاقات خلال الأسابيع -أو على أبعد تقدير- الشهور القليلة القادمة. لكن رغم الاستقرار الذي ستحققه هذه العلاقات فإنها ستظل دائما مشوبة بالحذر والتوجس المتبادلين، وستكون معرضة للتأثر السريع إذا لم تتفق الدولتان على إطار دقيق لهذه العلاقات حتى لا تتأثر سريعا بالمستجدات السياسية الظرفية سواء فيما يتعلق بالمشهد السياسي الإسباني، أو مستجدات قضية الصحراء على المستويين الدولي  والإقليمي.
كما أنه ليس من مصلحة المغرب أن تظل قضية الصحراء ومستجداتها الظرفية عامل إعاقة لتطور علاقات المغرب مع شركائه، بما في ذلك إسبانيا. ولتحقيق هذا الهدف يحتاج المغرب لإبداع أساليب جديدة للتصدي لمناورة خصومه، وإدارة مستجدات قضية الصحراء دون الإضرار بمصالحه المتبادلة مع الشركاء لاسيما الأوروبيين.

 

سعيد الصديقي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس