عسكر العرب في خدمة إسرائيل

مولاي التهامي بهطاط

من المفارقات الغريبة والعجيبة، أن الأنظمة العسكرية الشمولية في المنطقة العربية، خاصة منها تلك التي بنت "شرعيتها" و"مشروعيتها" على محاربة إسرائيل، وتحرير فلسطين، كانت هي الأنظمة الأكثر خدمة للمشروع الصهيوني إلى اليوم. 
فبدء بانقلاب 1952 في مصر، يلاحظ أن الرئيس عبد الناصر، الذي كان يحب شعار "إلقاء الصهاينة في البحر"، ويصفق له رفيقه عبد الحكيم عامر، يكفي أن يتفحص المرء خريطة فلسطين يوم 4 يونيو، ويقارنها بخريطة اليوم الموالي، ليكتشف حجم الخدمة التي قدمها "الضباط الأحرار" للكيان الغاصب. 
بل قد يصاب الإنسان بالصدمة حين يقارن بين خريطة مصر كما تسلمها هؤلاء "الضباط الثوار"، سنة 1952 من يد الملك فاروق، وكيف تقلصت منذ اقتطاع السودان، وصولا إلى التخلي عن جزيرتي تيران وصنافير. 
وهذا طبعا دون الحديث عن البطش الشديد بالمعارضين، بل وغير المعارضين، فقل من يتحدث من مريدي ذلك النظام مثلا، عن مليون إطار جامعي الذين يقال إنهم هربوا من مصر في سنوات "ناصر" ومنهم د.أحمد زويل، ود.فاروق الباز.. بل حتى قصة الفنان الراحل عبد المنعم مدبولي مع "التأميم"، كما حكاها هو نفسه تلخص الشيء الكثير. 
فقد راجت إشاعات يومها بأنه انتقد "التأميم" في إحدى مسرحياته التي حضر عرضها عبد الناصر نفسه، الشيء الذي جعل كثيرا من الناس يعزونه وهو حي. لكن الشاهد هنا هو أن والدته التي كانت تسكن قريبا من بيته، ظلت كلما حدثها أحد عن هذا الموضوع إلا وزارت ابنها لتطمئن عليه من "زوار الفجر"، بل في إحدى المرات ما إن عادت من عنده، وقبل أن تفتح باب منزلها، حتى سألها أحد الجيران في الموضوع، فعادت أدراجها مجددا إلى بيت مدبولي، وربما كانت هذه الواقعة سببا في موتها مباشرة بعد ذلك. 
فكيف لنظام كهذا أن يحرر أراضي وشعوب الجيران، وهو يستعبد مواطنيه ويفرط في أرضهم؟ 
وأنا هنا لا تهمني النوايا ولا ما في القلوب، لأن الأهم هو النتيجة على الأرض. 
فعسكر مصر مباشرة بعد "ثورة يوليو"، حارب الديموقراطية في الداخل بكل ما أوتي من قوة، وانشغل خارجيا بـ"إسقاط الملكيات" العربية، خوفا ربما من أن يستعيد ملك مصر عرشه. 
بل هل كانت طريق فلسطين تمر عبر حرب اليمن؟ 
لقد نشر لاحقا أن 20 ألف جندي مصري قتلوا في تلك الحرب العبثية. وقيل إن مصر أنفقت 4000 مليون جنيه يومها، ما جعل توفيق الحكيم يتساءل بعد "عودة الوعي" : ماذا لو رصد مليون جنيه لتنمية قرى مصر واحدة بعد أخرى؟ ألم تكن لتتحول 4000 قرية إلى حواضر مجهزة ببنية تحتية كاملة في الستينيات؟ 
نفس الشيء يمكن أن يقال عن عسكر سوريا، الذي حطم أرقاما قياسية في عدد الانقلابات بين سنتي 1951 و1970، بما مجموعه ستة انقلابات في 19 سنة. 
ويهمنا هنا الانقلابان الأخيران (1966 و1970) اللذين قادا الرئيس حافظ الأسد للواجهة. 
فهنا أيضا الخريطة هي الفيصل، فالجولان "سلم" لإسرائيل سنة 1967. 
أما الإنجاز الأكبر لهذا النظام، إضافة إلى البطش الشديد بالسوريين، فكان عدوانه المتواصل على لبنان، وصولا إلى قتل رفيق الحريري، وغيره من الرافضين لـ"الاحتلال" السوري، ولا نحتاج هنا للخوض في كافة التفاصيل. 
لكن لابد من التوقف هنا عند مفارقة أن بشار تفوق على أبيه فيما يخص تقتيل وتهجير الشعب السوري، بل يمكن القول إنه حطم رقما قياسيا عالميا في البطش بـ"شعبه"، يستحيل تجاوزه في القرن الواحد والعشرين. 
ولا يشك اليوم أحد في أن بقاء بشار "رئيسا" لما تبقى من سوريا، يرجع الفضل فيه بالدرجة الأولى لإسرائيل، التي ما كانت لتفعل بالسوريين عُشر ما فعله به كبيرهم، الذي لم يطلق رصاصة واحدة لتحرير الجولان، بينما قصف الأطفال والنساء والمدارس والمستشفيات ببراميل البارود وبالكلور. 
ثم نفس الشيء يمكن أن يقال عن عسكر العراق، فالرئيس صدام غزا الكويت، وتسبب في جرح غائر في جسد "القومية العربية" التي ظل يدافع عنها، قد يحتاج إلى قرون ليندمل، فضلا عن الخراب والدمار الذي ألحقه بالعراق وشعبه، بما لا يحتاج إلى وصف، حيث يكفي أنه تحول إلى حديقة خلافية لإيران. 
أما القذافي، فتاريخه الدموي غني عن التذكير، ليس في حق الشعب الليبي الذي كشفت التطورات الأخيرة أنه مازال يعيش عصر "القبيلة"، بل لأن عائدات النفط الضخمة، صرفت طيلة أربعين عاما على أوهام وأمراض القذافي وعائلته. 
وهل ننسى أن "قائد ثورة الفاتح" كان الممول الرئيسي للبوليساريو؟ وهل ننسى أنه جند مرتزقته لارتكاب مجازر في تونس ضمن ما عرف بـ"أحداث قفصة" نهاية السبعينيات؟ 
بل، وبما أن الحديث عن العسكر العرب وفلسطين، فإن أبرز ما فعله القذافي هو تمويل الفصائل الفلسطينية المتطرفة التي أوغلت في الدم الفلسطيني قبل غيره، وجرائم "أبو نضال" لا تحتاج إلى تعليق. 
ولنتوقف في الختام عند جارتنا "اللدود" الجزائر. 
فلا يخفى أن عسكرها لا يتوقف عن لوك شعارات "بالروح بالدم نفديك يا فلسطين". لكن الواقع أكد أن هذا العسكر لم يحارب سوى المغرب منذ اللحظة الأولى. 
فمن حرب الرمال إلى حربي أمغالا، وانتهاء بتجنيد عصابات البوليزاريو، هل ظن جنرالات الجزائر أن الطريق إلى فلسطين تمر عبر السمارة والعيون والداخلة؟ 
أما السؤال الأهم، وبعد تواتر معطيات حول إنفاق الجزائر على مشروع جمهورية تيندوف قرابة 400 مليار دولار في حوالي أربعة عقود، فمؤداه: هل صرفت الجزائر منذ استقلالها على دعم فلسطين حتى واحدا في المائة من هذا المبلغ؟ 
ثم لماذا لا نسمع اليوم أنها تسلح حركات المقاومة الفلسطينية خاصة خلال العدوان المتكرر على غزة؟ 
وكيف أنفقت بسخاء لشراء حتى صواريخ "سام" لدعم جمهورية الوهم، بينما لا نسمع أنها ترسل حتى طلقات الكلاشينكوف للمقاومة الفلسطينية؟ 
وهذا طبعا دون أن ننسى المبالغ الطائلة التي دفعت كرشاوى لحكام بعض الدول الإفريقية -تحديدا- للاعتراف بجمهورية تيندوف، وليس دولة فلسطين. 
نتمنى أخيرا أن يتطوع أي متابع للتاريخ الحديث للعرب، ليكذب حقيقة أن الجمهوريات العسكرية كانت هي القناة الرئيسية لترسيخ المشروع الصهيوني، منذ ولادته وإلى الآن.. 
التاريخ شاهد صادق لا يكذب..   

مولاي التهامي بهطاط