بين البلاغات الجزائرية والحزم المغربي، ما الذي تغير في قضية الصحراء الغربية

Exposing Algeria’s Double-Talk on Morocco’s Legitimacy over Western Sahara

قبل خمسة أشهر، اصدرت الرئاسة الجزائرية بيانا ناريا اتهمت فيه المغرب بـ"اغتيال 3 جزائريين بشكل همجي في عملية قصف لشاحناتهم التي تضمن نقل السلع بين ولاية ورقلة الجزائرية ونواكشوط الموريتانية في إطار حركة مبادلات تجارية عادية بين شعوب المنطقة وذلك باستعمال سلاح متطور". وتوعدت الرئاسة الجزائرية بأن "اغتيال المواطنين الثلاثة لن يمضي دون عقاب".

كان بيان الرئاسة تهديديا، يعد المغرب بالعقاب، ولم يحدد المكان، ولا ظروف ولا ملابسات الحادث المزعوم. وفور صدور ذلك البيان اعلن الجيش المورتاني نفيه وقوع اي اعتداء على اراضيه ولا على حدوده. 

واليوم تتكرر نفس الاسطوانة ولكن بشكل اخر وبطعم مختلف. البيان هذه المرة صادر عن الخارجية الجزائرية بدل الرئاسة، وكأنه بذلك يصحح الهفوة الدبلماسية والخطأ البروتوكولي الذي وقعت فيها الرئاسة في بيان نوفمبر الماضي. بيان الخارجية يستبدل لغة التهديد والعنجهية بلغة المظلومية واللطميات. ويتهم المغرب بقصف رعايا ابرياء لثلاث دول (الجزائر موريتانيا الجمهورية الوهمية). وفي هذه العبارة تقدم الجزائر نفسها كوصية على موريتانيا، تماما كما هي وصية على جمهورية العجاج والكياطن. ولغة الاحتقار التي تحملها لغة قيادات الجزائر تجاه الجمهورية المورتانية، كانت قد ظهرت قبل اسبوعين بشكل لا يمكن اخفاؤه في لقاء تبون وبلينكن. في هذا البيان حددت الخارجية الجزائرية المكان الذي وقع فيه القصف المزعوم بقولها: "في مكان يقع خارج حدود المغرب المعترف بها دوليا". متهما المغرب بانتهاك القانوني الدولي الانساني والشرعية الدولية. واصفا "هذه الانتهاكات" بأنها تقوض الأمن في الاراضي الصحراوية المحتلة وجوارها المباشر. وتهدد مساعي المبعوث الأممي ديميستورا. 

القراءة السطحية الأولى تظهر بأن الفرق بين البيانين كبير، وهو بضخامة التحولات التي عرفها ملف الصحراء في الشهور الاخيرة، و بزخم تحالفات المغرب الاخيرة، و يقدر التحولات التي عرفها العالم وخصوصا الحرب على اوكرانيا. الجزائر باتت تدرك بشكل اكبر بأن خيار التصعيد لم يعد ممكنا ولا مقبولا، وبان السلاح الذي تملكه والذي طالما كان مصدر قوتها وفخرها فشل في اثبات مفعوله في الحرب الاوكرانية، وظهر كخردة من القصدير في مواجهة الأسلحة الغربية. 

الجزائر باتت تدرك بان ناعورة الجيوبوليتيك لم تعد تدور في صالحها بالمنطقة. وأنها في عزلة كبيرة اقليميا وهو ما عبر عنه تبون في لقائه بلينكن بقوله ان الجزائر ليس هناك شيء يجمعها بالدول الاخرى في محيطها غير تونس. 

من جهة أخرى، لم يقدم البيان أي تفاصيل عن حادث القصف المزعوم. ولا عن عدد الضحايا ولا الخسائر ولا ماذا كانت تعمل هناك تلك الشاحنات. وهذا بنظري، بسبب فشل الجزائر في اثبات اتهاماتها المرة الفائتة وادراكها بان الدخول في التفاصيل سيضعف البيان أكثر ولن يخدم أهدافه. 

في الختام اقول: بان بيانا من هذا النوع كان مرتقبا خصوصا مع الضغط الداخلي الذي تلا اخبار القصف المزعوم. ففي وقت كان الجزائريون ينتظرون ان يعاقب تبون المغرب على حادث احراق الشاحنات في نوفمبر 2021، عاد المغرب ليكرر فعلته ويحرق شاحنات اضافية وفي نفس المنطقة. ما جعل القيادة الجزائرية في موقف حرج امام شعبها. ففي حالة عدم قيامها بشيء سيظهر ذلك عجزها وفشل استراتيجيتها للمحافظة على ما تسميه بوليساريو "الاراضي المحررة" وسيظهر المغرب بمظهر الحازم الماضي في تحقيق سياساته في المنطقة. وللخروج من ذلك المأزق قامت بتصريف أزمتها والضغط الذي وضعت نفسها فيه، في هذا البيان الضعيف شكلا، المتناقض موضوعا. ولعل ابرز نقاط تناقضه حديثه عن قصف مغربي خارج حدوده التي تعترف بها الامم المتحدة. وفي نفس الوقت يتحدث عن رعايا من ثلاث دول. علما ان الامم المتحدة لا تعترف بالدولة الثالثة: جمهورية العجاج والكياطن. يتبع..