محمد مولود يروي تفاصيل مروعة حول فترة اعتقاله في سجن تندوف

الشويعر محمد مولود

"لقد دفن الناس أحياء وفصلت أجزاء أجسادهم جرًا بالسيارات، وانتزعت أسنانهم أثناء التعذيب.. ووقعت فظاعات يعجز اللسان عن شرحها، أبسطها التجويع والحكرة والعبارات العنصرية"..
بهذه العبارات الصادمة يشرح ضحية الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان المرتكبة من طرف البوليساريو الشويعر محمد مولود ولد علي ولد سعيد بعض التفاصيل المتعلقة بالانتهاكات التي تعرض لها وكان شاهدا عليها في سجون البولساريو، منذ اختطافه بالرابوني رفقة العشرات من أبناء عمومته، حيث جسدت عملية استهدافهم الأجندات القبلية العنصرية والإستئصالية التي دأبت البوليساريو على ممارستها، حين تم اعتقال العشرات من المنتمين لمكون قبلي معين مباشرة بعد إرغام مخيمهم على النزوح الى تيندوف وتأطيرهم ضمن قوات الجبهة، على إثر اتهامهم بالعمالة والاندساس لصالح المغرب، بعد أن كانوا يستقرون بمنطقة "كليبات الفولة" وهي التسمية التي رافقتهم كمجموعة "خونة" بحسب دعاية قيادة البوليساريو. 
رغم استماعي لعديد شهادات ضحايا الانتهاكات، إلا أن حجم الفظاعات المهول التي حكاها الشويعر فاق مقدرة مخيلتي شخصيا، حتى تظن أنك بصدد فيلم رعب تخيلي، ولست أمام أحداث واقعية لا يزال أبطالها وشهودها على قيد الحياة، رغم تنكر الإطار السياسي الذي آمنوا به ذات يوم وناضلوا في سبيله، فيما يمارس مرتكبو تلك الجرائم حياتهم بشكل طبيعي، ولا يكدر صفوهم سوى أمراض الشيخوخة والتقدم في السن، دون أن يساورهم أي إحساس بالندم أو حتى بالخجل، ودون أن تطالهم يد العدالة، بفضل تدجينهم لفئات واسعة من أبناء جلدتهم من خلال خطابهم العنصري وممارساتهم الإقصائية في حق عديد المكونات الاجتماعية الأخرى، والتي تتم التغطية عليها بشعارات ومزايدات سياسوية، لا تزال تجد من يؤيدها حتى ونحن في عالم العشرية الثالثة من القرن الحادي والعشرين.. 
تتخذ شهادة الشويعر أهميتها من معايشته لكل فترة الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان التي شهدتها الجبهة سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث يشير إلى إجباره على المشاركة في بناء معتقل الرشيد سيء الصيت، ويشرح الظروف المأساوية التي كان يمارس فيها الضحايا الأعمال الشاقة، مشيرا إلى التجويع والحرمان من النوم وحتى من الألبسة والأغطية، فضلا عن العمل معظم ساعات اليوم نهارا وليلا تحت وقع الجلد والتعذيب، ما يؤدي لوفاة العديد منهم في أثناء تلك الظروف القاهرة، كحالة الضحية بريهمات. 
كما يتطرق الضحية الشويعر إلى إجباره على العمل كميكانيكي في المعتقل وإجباره على العمل في جمع الحطب خارج المعتقل، وهو ما مكنّه من معاينة الكثير من الانتهاكات، والتي من بينها عمليات اغتيال بالجملة لعديد الضحايا، كالمجموعة التي تم طمرها في حفرة بئر مخصصة للفضلات بمعتقل الرشيد وهم أحياء، بالإضافة إلى المجموعة المكونة من موريتانيين زنوج تم اغتيالهم جميعا رميا بالرصاص في منطقة أركشاش، إلى جانب مجموعة أخرى تم اغتيالها في قرب الحدود الموريتانية، فضلا عن الضحية الموريتاني الذي قرر الانتحار برمي نفسه في حفرة مخصصة للفضلات، ليتم ردمه وهو لا يزال على قيد الحياة أيضا، مشيرا إلى ردم الكثير من الضحايا الذين يفارقون الحياة بسبب التعذيب في معتقل الرشيد في سبخة بجواره.. 
تتضمن شهادة الضحية الشويعر تفاصيل مروعة عن الجرائم المرتكبة من طرف قيادات ومسؤولي الجبهة في حق العناصر المنتمية لمجموعته المعروفة باسم "كليبات الفولة"، فمنذ الوهلة الأولى لالتحاقهم بجبهات القتال بعد اجتيازه لفترة تدريب عسكري بالجزائر، ستبدأ الفظاعات التي يعجز المرء عن مجرد الإستماع إليها، فما بالك بمعايشتها، حيث يتحدث عن عملية استهداف واسعة النطاق لمكونه القبلي من خلال اعتقال العشرات من المنتمين إليه، ثم تعريضهم لأشكال وحشية من التعذيب، كتقطيع أطرافهم وتجويعهم، مشيرا إلى  تصفية تسعة أشخاص من رفاقه في بداية رحلة التعذيب والمعاناة المأساوية في 16 من غشت 1977، على يد كل من الجلادين قائد الناحية لحبيب ولد عوبة وبشيشاري ولد الصالح، فيما لم يشفع لهم حملهم للسلاح ولا التضحيات التي دأبوا على تقديمها منذ التحاقهم بالتنظيم السياسي للجبهة.. 
يشير الشويعر إلى وصولهم (مجموعة "كليبات الفولة") إلى سجن الرشيد حين كان مجرد أرض قاحلة خالية من أي معالم، فقد نقلوا وهم مكبلين ومكدسين في الشاحنات تحت الأغطية والحراسات المشددة، معرجا على أبسط تجليات التعذيب النفسي والمتمثلة في وصفهم بعبارات عنصرية قدحية متعارف عليها في خطاب البوليساريو من قبيل "قبيلة الشلوحة" و"مجموعة أيرو". فيما تتم إثارة مواضيع الصراعات التاريخية أثناء تعذيبهم، حيث يحاسبون على الحروب القبلية التي يزعم الجلادون أن أجدادهم خاضوها. ويتطرق الشويعر أيضا إلى عمليات الاغتيال التي كانت تطال بعض الضحايا، ويؤكد على أن التصفيات الجسدية لشهداء الرشيد كانت تتم في بعض الأحيان أمام بقية المعتقلين، في محاولة لتخويفهم وتركيعهم، حيث يذكر حالة الضحية الشهيد محمد عالي ولد ابراهيم، كما يذكر عديد حالات الإغتيال في صفوف مجموعته "كليبات الفولة" أثناء الإعتقال في مدرسة 12 أكتوبر، والتي من بينها حالة الشهيد مبارك ول عالي ولد بونعمة.. 
وبخصوص جريمة اغتيال أفراد الأسرة القادمة من فرنسا والمنتمية لقبيلة أيت لحسن، يؤكد الشويعر في شهادته على الجلادين سلازار والسويلك العلب الذي يفترض أنه طبيب المعتقل، قاما باغتيال الأب أمام زوجته وأبناءه الصغار، قبل أن تتم تصفية الزوجة بعد دخولها في حالة هستيرية على إثر المشهد المروع الذي واجهته، بعد أن تم اقتيادها من طرف كل من الجلادين بيبيه وسوليمة إضافة إلى الجلاد المدعو حظية لكرع الملقب بـ"الأزوادي"، ليتم اغتيال الطفلين الصغيرين لاحقا من طرف الجلاد ميليد ولد الحسن، حيث سمع أصوات عيارات نارية مباشرة بعد أن اقتادهما إلى خارج المعتقل.. 
الضحية الشويعر وبعد أن أشار بعجالة إلى  بعض حالات الانتهاكات التي أكد على أن المقام لا يسمح بالتطرق إليها بالتفصيل لاعتبارات أخلاقية [ستكون في الغالب تتعلق بانتهاكات جنسية]، سواء في "سجن الرشيد، منطقة الصليبات، منطقة لحفر جنوبا"، أو حتى في مدرسة 27 فبراير المخصصة للنساء. قبل أن يعرج على قضية اغتال المترجم الأمريكي في هيئة الأمم المتحدة "كريس أنشير" على يد كل من براهيم غالي وكريكاو، بالإضافة إلى قضية الضحايا الإسبان الذين تمت تصفيتهم في سجن الرشيد بعد التحاقهم بالبوليساريو، ليتطرق إلى الضحية الموريتاني المعروف الكوري ولد محمد سالم الذي تم اغتياله في سجن الرشيد، حيث سينقل الشويعر عن الضحية محمد ولد نافع ولد مبارك ولد الكبش، لقاءه لمجموعة من الضحايا الموريتانيين في معتقل الرشيد، بينهم الشهيد الكوري. 
ويؤكد الضحية الشويعر في معرض حديثه على إشراف كافة أعضاء اللجنة التنفيذية على الانتهاكات التي يشهدها سجن الرشيد، وفي مقدمتهم الجلادين سيد أحمد بطل والبشير مصطفى السيد، مشيرا إلى إدارته بشكل مباشر من الجلاد عالي مصطفى ولد السيد ومعه عديد الجلادين الآخرين كريكاو وسلزار وميتشل والعديد من الجلادين الآخرين.. حيث يسرد كيفية استنطاقه من طرف البشير مصطفى السيد شخصيا، الذي وجّه إليه عبارات عنصرية أثناء التحقيق معه، كما تناول علاقته ببعض قراباته العائلية المتواجدين في مخيمات تيندوف. وأشار الشويعر أيضا إلى تواجد البشير مصطفى السيد في معتقل الرشيد أثناء اغتيال الأسرة القادمة من فرنسا، إلى جانب كل من الجلادين سلزار وعالي ولد سيد البشير. ليشير إلى إشراف العديد من قيادات الجبهة على عملية اغتيال بعض الضحايا عن طريق جرهم بالسيارات، والتي كان الشويعر نفسه ضحية لها، حيث تعرض لكدمات على مستوى فخذيه، قبل أن يكتب له عمر جديد بفضل صدفة انقطاع الحبل الذي كان مقيدا به.. 
وفي أثناء حديثه عن ملابسات إطلاق سراح مجموعته من المعتقل، يشير الشويعر لحضور عديد قيادات الجبهة من أعضاء اللجنة التنفيذية للإشراف على العملية، في مقدمتهم رئيسها السابق محمد عبد العزيز وعمار العظمي. حيث تم حشد الضحايا للقاء القيادات التي زارتهم، والذين عبروا لهم عن صفح الجبهة عنهم -بحسب تعبير القيادة- لكن الضحايا لم بطلبوا سوى معرفة الأسباب الكامنة وراء اعتقالهم وتعرضهم للتعذيب الوحشي الذي قاسوه طوال مدة سجنهم.. 
يؤكد الشويعر في شهادته أيضا على المسؤولية الكاملة لتنظيم البوليساريو عن كافة الانتهاكات التي تعرض لها الضحايا على أسس عنصرية ومناطقية، مستعرضا أن الجبهة استهدفت المنتمين لثلاث مكونات رئيسية هي المنتمين لشمال الإقليم، جنوبه وغربه. لكنه يرفض محاولات جر النقاش حول تلك الانتهاكات الى اتهامات موجهة لقبائل معينة بالوقوف وراء تلك الانتهاكات، موضحا أن العناصر القيادية المتورطة فيها لا يمثلون سوى أنفسهم. ويعبر عن حسرته لتضييع البوليساريو لفرص التفاهم مع الضحايا والاستجابة إلى مناشداتهم والتي كان آخرها المراسلة التي وجهها الضحايا إلى مؤتمر الجبهة الأخير المنعقد في ديسمبر سنة 2019، حيث عبروا من خلالها عن استعدادهم للدخول في حوار مباشر للتوصل إلى حل لقضيتهم، لكن مناشداتهم جوبهت بالتجاهل والتنكر من طرف البوليساريو التي أعادت انتخاب العناصر المتورطة في تلك الانتهاكات كزعامات، بدل عزلهم ومحاسبتهم، فضلا عن الاعتذار للضحايا والكشف عن حقيقة تلك الانتهاكات..
 

محمد سالم عبد الفتاح