إيران و التمدد الزئبقي في اتجاه شمال إفريقيا و الساحل عبر الصحراء الكبرى : (الجزء الأول)

إيران و التمدد الزئبقي في اتجاه شمال إفريقيا و الساحل عبر الصحراء الكبرى : (الجزء الأول)  :

لطالما كان الحديث عن إيران و مشاريعها التوسعية في شمال إفريقيا ذا شجون، فلمدة طويلة كانت تبدو إيران فعليا بعيدة عن منطقتنا سياسيا و جغرافيا، خاصة عندما احتدم الصراع و اشتد بينها و بين السعودية و اشتعل بامتداد الشرق الأوسط من سوريا و العراق شمالا، وصولا إلى اليمن جنوبا، دون الحديث عن الضغط العسكري الإسرائيلي المتواصل على عملاء الحرس الثوري و مشروعهم النووي و تحركاتهم العسكرية و الاستخبارية سواء في سوريا أو لبنان، بالإضافة إلى تركيا التي تعمل من جهتها بشكل حازم و هادئ على كبح تمدد الملالي إلى قلب الأناضول حيث توجد بعض الأقليات الشيعية و العلوية المنسية هناك، و التي تبحث حتما عن متعهد فارسي كنا هي عادة الشيعة أينما وجدوا.
و لكي نكون موضوعيين، فلا يحق لنا أن نلوم الجمهورية الإسلامية في سعيها إلى التمدد خارج مجالها الحيوي الطبيعي، فأي كيان سياسي قومي يشعر بمحاولات حثيثة لخنقه جغرافيا و اقتصاديا و سياسيا و عسكريا و حتى دينيا في محيطه، سوف يسعى بشكل بديهي إلى سياسة الزئبق لكي يضمن لنفسه متنفسا خارج الحصار يسمح له بمواصلة المواجهة في حالة ما إذا اشتد الخناق حوله، و لكي نوضح الأمر أكثر، نعطي مثال بريطانيا العظمى في بدايات الحرب العالمية الثانية، فبعد هزيمة فرنسا و بلجيكا و هولندا أمام جحافل البانزر الألمانية في ظرف شهور قليلة منتصف عام 1940، و طرد كل القوات البريطانية من القارة الأوروبية في اتجاه الجزيرة عبر ميناء دانكيرك الفرنسي، أصبح الإنجليز في حالة حصار فعلي، عبر الجو بالقصف السجادي بالطائرات الألمانية صباح مساء طيلة شهور متواصلة، و الحصار البحري بغواصات U-boat التي تمنع سفن الإمداد الأمريكي من المرور نحو الموانئ الإنجليزية و لا تتردد في إغراقها حتى لو كانت سقنا مدنية، و قد كان رد فعل رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرتشل المباشر وقتها هو نقل الثقل الكلي للجيش البريطاني و خيرة فرقه و سفنه خارج القارة إلى مسرح عمليات الشرق الأوسط و شمال إفريقيا و حوض البحر الأبيض المتوسط و إثيوبيا جنوبا في محاولة لامتصاص الضغط الألماني القوي داخل حدوده الجغرافية المباشرة. 

 

air algerie drogues

لكن في حالة إيران و عندما يخرج وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ليصرح أنها ""تعمل «عبر وكلاء» على زعزعة الاستقرار في القارة السمراء. مضيفا أن العالم يعرف الكثير عن أنشطة إيران النووية، لكنها تعمل أيضاً من خلال وكلاء على زعزعة استقرار شمال أفريقيا وغربها». كما شدد على أن «إيران تهدد الوحدة الترابية للمغرب وأمنه بدعمها لـ(البوليساريو) من خلال تزويدها بالسلاح، وتدريب ميليشياتها على مهاجمة المغرب»، مذكراً بأن إيران توسع مجال نفوذها أيضاً من خلال «حزب الله»، حيث إن «أنشطتها في غرب أفريقيا تضر بالإسلام المعتدل الذي كان المغرب يعززه منذ قرون في هذه المنطقة، كما تتواصل مع وكلاء معينين، بما في ذلك بعض الفاعلين المتشددين» في هذه المنطقة. ثم خلص إلى القول : «نحن اليوم يقظون دوماً في مواجهة التهديدات التي تمثلها إيران لأمننا وأمن الشعب المغربي»، مشيراً إلى أن قضية الصحراء المغربية «حاسمة بالنسبة للمغرب»، وأن وحدة ترابه هي «مفتاح استقراره». أمام مثل هذه التصريحات الخطيرة يكون من الموضوعي أيضا أن نتوقف طويلا بالتحليل و التدقيق لقراءة ما ذكر بين السطور، و هو كثير و خطير جدا، أكثر مما نتصور.. 

 

موسوي

المتابع لأنشطة إيران في المنطقة، سوف يلاحظ تقاطعات واضحة لحركات عملاء الحرس الثوري على خطوط الصراعات السياسية و القومية و المشاريع الإنفصالية تحديدا، و هذا أسلوب كلاسيكي نعتمده عادة القوى السياسية التي تسعى للتوسع، لكنها تفتقد للأسباب و الوسائل الفعلية لذلك، و هو أسلوب الأطراف التي تغذي المركز بينما هو يكتفي ببث النزعات الإيديولوجية أو تغذيتها بوسائل العنف مع خلق أسبابه المباشرة في حالة غيابها، و في الحالة الإيرانية كانت الوسيلة الأساسية و الدائمة و الجاهزة في كل الحالات، هي الأقليات الدينية الشيعية، سواء عبر تغذية تلك المنسية منها بالإحساس بالاضطهاد و الاحتقار داخل مجتمعها و هي المظلومية الكلاسيكية التي بنيت عليها العقيدة السياسية لدى ملالي قم، أو عبر تمويلها و تدريبها لكي تجد لنفسها مكانا داخل فعاليات المجتمع و حركيته الطبيعية، أو حتى داخل البنية السياسية للدولة سواء عبر الجمعيات الأهلية الغير حكومية أو الأحزاب الصغيرة أو الحركات الدينية الهاشمية، و هذا الأسلوب لم تبتدعه الجمهورية الإسلامية الشيعية، و إنما هو بقايا إرث تدريبات المخابرات المركزية الأمريكية لجهاز استخبارات الشاه رضا بهلوي المسمى بالسافاك، حين كان المجمع العسكري-الصناعي الأمريكي يحلم بصناعة بعبع إيراني في المنطقة لقضم الإتحاد السوفياتي عبر خاصرته الرخوة و هي حزام الجمهوريات الإسلامية جنوب سيبيريا.
و كما هي عادة العمليات السرية للسي آي إيه (Covert Operations) في غالب الأحيان تنقلب وبالا  على الغرب نفسه، فبعد ثورة الخميني و سيطرته على مقاليد الحكم بمساعدة الغرب الديموقراطي من الخارج (دور فرنسا وقتها أقل ما يقال عنه هو أنه قمة الحقارة)، و دعم تجار البازارات و بورجوازية صناعة السجاد الفارسي داخليا، قرر تصدير ثورته إلى الدول المحيطة به لكي يبرر تمدد مشروعه السياسي-الديني خارج حدوده الجغرافية و في نفس الوقت ينجح في إلهاء جيرانه عبر تصعيد أزماتهم الداخلية لكي يتحرك هو بحرية في محاوره الحيوية دون يضايقه أحد.
تحركات إيران على خط التوسع الجديد هذا لم تكتفي بخلق أو دعم أقليات دينية تابعة لها، بل امتدت لتشمل تدريب و دعم و تمويل و تسليح ميليشيات إرهابية و انفصالية محلية ذات أهداف محددة و واضحة كما هو الأمر في حالة الحوثي في اليمن أو بالنسبة لعصابة البوليزاريو الإرهابية، عبر شبكات حزب الله التي فتحت لها الطغمة العسكرية الحاكمة في الجزائر الطريق مشرعة بمنتهى الغباء السياسي لكي تبني شبكات دعم لوجيستي إلى جانب شبكات تبييض الأموال القادمة من أوروبا عبر تجارة المخدرات، و هي عمليات سهر عليها الديبلوماسي الإيراني أمير موسوي و هو عميل لاستخبارات الحرس الثوري، و قد عمل كملحق ثقافي في سفارات إيران في بروكسيل و الخرطوم و الجزائر العاصمة حيث أنشأ الملحقية الثقافية في الجزائر و بقي على رأسها من سنة 2014 حتى سنة 2018، و هي نفس السنة التي قطعت فيها المملكة المغربية علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية رسميا، بينما نجح أمير موسوي في خلق أقلية شيعية جزائرية خالصة قام يزرعها بمنتهى السهولة داخل المجتمع الجزائري تحت سمع و بصر أجهزة أمن و استخبارات العسكر التي لا تهتم إلا بالمعارضين و نشطاء الحراك. 

 

مادورو تبون

لكن يبقى الجانب الأكثر خطورة و غموضا حتى الآن في نشاطات إيران الهدامة في المنطقة، هو ذلك الذي يمتد خارج القارة الإفريقية و الذي تلعب فيه طغمة #جمهورية_العسكر_و_الكوكايين  و عصابة ضباط الجيش و الاستخبارات الفينيزويلية التي تحيط بالديكتاتور نيكولاس مادورو دورا رئيسيا في الربط بين كارتيلات المخدرات في أمريكا الجنوبية و شبكات التهريب و التوزيع الأوروبية مرورا عبر عصابات الجريمة المنظمة و العصابات الإرهابية الإسلامية في الصحراء الكبرى، و هي شبكات تستفيد منها عصابة البوليساريو الإرهابية بشكل مباشر، و هذه تفاصيل باتت معروفة جيدا لدى كل أجهزة الأمن و الاستخبارات الأوروبية اليوم ( خصوصا بعد اجتماع تحالف محاربة داعش في مراكش قبل أسابيع).
هذا الجانب الخطير جدا كما أسلفت سوف أعود إليه بالتفصيل في الجزء الثاني من هذا الملف قريبا.
مهدي بوعبيد