تعد قضية الصحراء المغربية من بين القضايا المصيرية التي أولاها المغرب أهمية قصوى منذ فترة حكم الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه نظرا لحساسية الوضع السياسي حينذاك، بحيث كانت المناطق الصحراوية الجنوبية المغربية لا تزال في قبضة الاستعمار الإسباني الغاشم. وقد استمر الاهتمام بهذه القضية الوطنية بعدما أسلم الملك الحسن الثاني روحه لبارئها بعد عقدين من استرجاعه للمناطق الصحراوية بشجاعة ونزاهة وتركها أمانة في يد خلفه الملك محمد السادس.
لقد درس الحسن الثاني كل خطواته بدقة متناهية قبل أن يدعو الشعب المغربي لتنظيم المسيرة الخضراء، وذلك راجع إلى درايته العميقة بالاضطرابات السياسة في شبه الجزيرة الإيبيرية أوئل سبعينيات القرن الماضي، ولما جهز قوسه، أطلق السهم بحنكة منقطعة النظير، فأصاب الإستعمار في مقتل. حينذاك، كانت الحكومة الإسبانية مشتتة الذهن وتخشى الهبوط إلى ساحة الوغى بعد الحرب الأهلية الطاحنة التي قطّعت أوصال إسبانيا، التي تمخضت عنها سياسة الدكتاتور فرانكو الذي استنفذ قوة الدولة شعبا ومؤسسات في بدايات القرن الماضي.
وبالفعل، أصاب الحسن الثاني في توقعاته، فأخرج الصحراء من بوثقة الاستعمار والعزلة التامة منتهجا سياسة تنبذ العنف وكل نزوع لاستعمال السلاح. إلا أن القلق بشأن تسوية قضية الصحراء والحسم فيها بشكل نهائي كان ولا يزال يؤرق الدولة والشعب معا، نظرا للتطورات التي عرفتها القضية لما تدخلت مجموعة من الأطراف، محاولة زعزعة الوحدة الترابية التي قضت على أطماعهم. وكان الأمر الذي يندى له الجبين هو دخول الجزائر على الخط عبر اختراع كيان وهمي فوق "أراضيها" بتندوف، الذي لا نغالي إذا أسميناه "السجن المفتوح" حيث يُحتجز مواطنون مغاربة منذ أربعين سنة أو يزيد، ويتم استغلالهم ككبش فداء لجذب استعطاف المجتمع الدولي، لأجل استمرارية النزاع وتمرير أجندتها الخبيثة.
يعلم الجميع أن الجزائر تفتعل النزاع لعدة أسباب أبرزها التشبت بأفكار الحروب الباردة التي استقتها من المعسكر الشرقي إبان فترة الاتحاد السوفياتي وعلاقتها مع كوبا، وقبل ذلك، بسبب العداء الذي تكنه للمغرب إثر قضية الأمير عبد القادر التي فُسرت حيثياتها وفق أجندة سياسية فرنسية لتأجيج الصراع والضرب في مصداقية المغرب، وكذلك الأحداث السياسية التي تلت سنوات ما بعد الاستعمار الفرنسي للأراضي المغربية والذي لطالما اتبع سياسة التفرقة بين عموم المغاربة لحاجة في نفسه.
وفرنسا حاضرة بقوة في التاسيس للصراع القائم بين المغرب و"جارته" الشرقية، إذ توغلت في الأراضي المغربية الصحراوية إبان استعمارها للجزائر، رغبة منها في الوصول إلى المحيط الأطلسي وفرض سيطرتها على مناطق الساحل، وبعدما طُردت من المغرب، وأُجهض مخططها الخبيث، تركت الحدود على ما هي عليه، فاستغل الجار الشرقي الوضع القائم آنئذ للتوسع على حساب بلدنا، وذلك ما حصل.
ومن جهة أخرى، هناك إسبانيا التي تحاول جاهدة فرض نفسها في الساحة الدولية عبر إدعائها الدفاع عن حقوق الإنسان، رغبة منها في "انتقام سياسي" مبطّن، باتهام المغرب بالدكتاتورية التي لا تحمي حقوق الإنسان وبالتسلط والاستبداد، متناسية تاريخها الاستعماري الأسود الذي خلف الدمار في الأقاليم الصحراوية المغربية والريف المغربي معا.
ويبدو جليا لكل لبيب، الطابع السياسي الإسباني المتسم بانفصام في الشخصية، إذ لاحظنا، خلال مطالبة جهات سياسية وشعبية كتلانية بانفصالها عن إسبانيا، أن حكومة راخوي واجهتها بالقمع والعنف المادي و المعنوي، رافضة أي تقسيم للبلاد كيفما كان وتحت أي ظرف سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو تاريخي. لكن في المقابل نجد السياسيين أنفسهم يدعمون رغبة الجبهة الوهمية في فصل الصحراء عن مغربها وفصل المغرب عن صحراءه. والأغرب من ذلك أنك سوف تجد في الصحف الإسبانية مقالات تضرب في مغربية الصحراء أكثر منه في الصحف الجزائرية، وهذا ما لا يمكن لعقل سليم استيعابه، إلا إن أصابه حمق أو هوس بالعنف. وفي المقابل، نجد المغرب، الذي لطالما وقف مواقف بطولية، يندد بأي تقسيم للجارة الشمالية، ليس خوفا، بل تيقنا منه، إثر تجربته مع الانفصاليين، أن التقسيم يؤدي إلى الفتن، والفتنة أشد من القتل.
ثم يمكننا القول إن الجزائر، داخل السياق السياسي المتعلق بالنزاع حول الصحراء المغربية، ليست إلا بيدقا في يد الدول التي تؤيد الطرح الانفصالي اللامنطقي لأنها ترى فيه مصلحتها الخاصة.

الملك محمد السادس وقضية الصحراء
إن الدفاع عن الصحراء المغربية له تاريخ عروقه ضاربة في أرض العرش العلوي، فقد تمت مبايعة الملك الراحل محمد الخامس وقبله الحسن الأول من قِبَلِ الشيوخ الصحراويين المعاصرين لهما، على أن الأقاليم الصحراوية مغربية، وذلك ما تتوافق معه الدراسات التاريخية الموضوعية التي أُنجزت بهذا الخصوص.
وإذا استرجعنا الذاكرة إلى الوراء قليلا، نسمع جلالة الملك محمد السادس يسير على النهج القويم ذاته الذي سطره أجداده الميامين، مذكرا العالم بأسره بتشبت العرش والشعب بمغربية الصحراء، قائلا في خطابه لإحياء الذكرى الثانية والأربعين للمسيرة الخضراء ما يلي نصه:
شعبي العزيز،
"إن ءالقاسم المشترك بينهما، هو العهد الموصول، الذي يجمع العرش بالشعب، حول وحدة الوطن، وفي مقدمتها الصحراء المغربية.
فخطاب محاميد الغزلان التاريخي يحمل أكثر من دلالة. فقد شكل محطة بارزة في مسار استكمال الوحدة الترابية، وأكد حقيقة واحدة، لا يمكن لأي أحد إنكارها، هي مغربية الصحراء، وتشبث الشعب المغربي بأرضه."

وعليه، فإن المغرب متشبت بقضيته العادلة التي لا محيص عنها.
إنه في حين كانت الجزائر تهاجم سياسة التعمير والرقي بالمناطق الصحراوية، استمرت الإدارة الملكية في تنفيذ تاعهدها مع الصحراء، عبر تعبيد الطرقات وإنشاء المرافق العمومية وتزويدها بشبكات الماء والكهرباء وتغطية الأنترنيت وجل وسائل الاتصال. ولقد برزت مجموعة من الأقلام الموضوعية التي أوضحت عزم المغرب على انتشال صحراءه من بين أنياب التخلف الذي تركه الاستعمار.
ومن بين هذه الأقلام، هناك الباحث والأستاذ الجامعي في علم الجغرافيا في جامعة ميشيل مونتين ببوردو في فرنسا المحجوب شمورك، الذي ذكر في مقال له حول التنمية المستدامة في المناطق الصحراوية المغربية، أن هذه المناطق شهدت مرحلة ركود اقتصادي شامل وأزمة سياسية خانقة إلى غاية سنة 1975، وهي الفترة التي حصل فيها المغرب على استقلال أراضيه الصحراوية. بعد هذه السنة بالذات يبدو أن الفرج كتب على المناطق الصحراوية المغربية وانزاح عنها شبح التخلف والإستعمار الذي كان قضى على كل أمل في التطور والعيش في سلام ورغد.
ويقول السيد شمورك إن الأقاليم الصحراوية المغربية عرفت، منذ فجر استقلالها وعودتها إلى حضن المغرب، تطورا ملحوظا بالغ الأهمية، أسهم بقوة في فك العزلة عنها، مما جعلها تندمج في الاقتصاد الوطني المغربي الشامل، وذلك بفضل الميزانيات الضخمة التي ضُخّت في عروق الاقتصاد بهذه المناطق، وحجم الإستثمارات الكبير الموجهة إليها، لأجل تحسين نمط عيش الساكنة المحلية. وبهذه السياسية الاقتصادية التي نفخت روحا جديدة في المناطق الصحراوية، حطمت الدولة المغربية جدار الفصل الأيديدولوجي الذي أقامه المستعمر بين منطقة الشمال والجنوب المغربيين الكامن في فكرة المغرب "النافع" والمغرب "غير النافع"، ليصبح مغربا واحدا موحدا نافعا ومنتجا.
يعتبر المغرب من الدول التي تتوافر على ثروات بحرية ومعدنية إضافة إلى المقومات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها. وبناء عليها، همت الإرادة الملكية بالعمل على الرقي بالمناطق الصحراوية المغربية، فشرعت في ورش التنمية المحلية التي "تبتغي تحسين نمط حياة ساكنة منطقة محددة بحسب طبيعتها (قرية أوقبيلة أوعمالة أو منطقة) وذلك عبر تنويع مواردها المنتجة، بإنعاش الاستثمارات، على شاكلة تسمح بتنمية نشاطاتها الاجتماعية-الثقافية"، وتفسح المجال أيضا "لفك العزلة عن المناطق النائية أو المهمشة، بمشاركة الفاعلين جميعا دولة ومجتمعا مدنيا وشعبا"، لـتنظيف المناطق الصحراوية بغية "إجثتات مخلفات التقهقر الذي خلفه الاستعمار الإسباني على جميع المستويات".
ولفك العزلة عن المناطق الصحراوية المغربية والنهوض بها، أسست الدولة، بطلب من الملك محمد السادس، وكالات عملت آناء الليل وأطراف النهار لإتمام المهمة الموكولة لها، نذكر منها:
1ـ وكالة الإنعاش والتنمية الاقتصادية الاجتماعية في الأقاليم الجنوبية
أُحدثت وكالة الإنعاش والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الأقاليم الجنوبة بموجب القانون رقم 645-02-2 الصادر في العاشر من شتنبر سنة 2002، التي مقرها بمدينة العيون. وحول هذه الوكالة يخبرنا الدكتور المذكور آنفا أن اختصاصاتها تتلخص في "بلورة البرامج الاقتصادية والاجتماعية الناجعة واقتراح مشاريع الإنعاش والتنمية الاقتصادية والمجالات الاجتماعية وإيجاد سبل تمويل المشاريع المبرمجة ومتابعة تطورات البرامج والدفع بعجلة قطاع الشغل والمبادرة الخاصة وتجهيز المنطقة تجهيزا جيدا من جميع الجهات". وتهدف الوكالة المذكورة كذلك إلى الدفع بعجلة التنمية المستدامة، و لبلوغ غايتها، كان عليها العمل على تعبيد الطرقات وتأهيل البنيات التحتية التي لا غنى عنها. "وفي هذا الإطار، وضعت الوكالة ما يصل إلى 226 مشروعا بكلفة 7,2 مليار درهم على امتداد المناطق الصحراوية المغربية الثلاث".
2ـ المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية
يعتبر المجلس الاستشاري الملكي للشؤون الصحراوية وكالة لها دور كبير في التعريف بقضية الصحراء المغربية، داخل المغرب وخارجه، إنه صوت المغاربة قاطبة والساكنة الصحراوية بشكل خاص.
وضعت أولى لًبِنَات المجلس الملكي من قبل الملك الراحل الحسن الثاني، شهر غشت سنة 1981، لكن أعضاءه توقفوا عن الشروع في العمل بسبب التصعيد الذي عرفه النزاع حول المناطق الصحراوية المغربية إلى غاية سنة 1991.
وفي سنة 2006 وتزامنا مع مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب كحل للنزاع القائم، قام جلالة الملك محمد السادس بنفخ روح جديدة في المجلس لاستئناف أعماله من مقره الرئيسي الموجود بالرباط.
وحسب الدكتور شمورك، وكِّل للمجلس الملكي للشؤون الصحراوية مهمة "التنمية البشرية والاقتصادية في الأقاليم الصحراوية بتعاون مع كل المؤسسات الوطنية المحلية العمومية والخاصة" وكذلك "وضع مخططات تبتغي الحفاظ على الثرات الثقافي واللغوي والفني الحساني وإنعاشه ومقترحات محددة بدقة لضمان مستقبل زاهر للشباب وتحسين ظروف عيش المرأة الصحراوية وتسهيل إندماجها في القطاعات جميعها".
ولقد هم المجلس الملكي للشؤون الصحراوية ببلورة مجموعة من المشاريع ذات الصلة بسوق الشغل ومحاربة البطالة في الاقاليم الجنوبية، مما يبرز وضعه للشباب نصب عينيه، بحيث أسس، ابتداء من سنة 2007، ما وصل عدده إلى 1000 مقاولة مختصة في الملاحة البحرية، الشيء الذي يعكس ترشيد استغلال الثروات البحرية وعقلنة توظيفها لخدمة الوطن.
وبالموازاة مع الرغبة الملحة في تنمية الجانب الاقتصادي، قام المجلس المذكور أعلاه بمواكبة الميدانين الاجتماعي والثقافي وقطاع التعليم الذي يعتبر ركيزة أساسية للإقلاع بالمجتمع، ناهيك عن الالتفاف نحو القطاع الصحي والبنيات التحتية الإدارية والطرقات والخطوط الجوية عبر تشييد المطارات وكذلك الموانئ ولم ينسى قطاع الاتصال المهم هو الآخر.
إن كل هذه الإنجازات التي أشرفت الدولة على تحقيقها بإشراف من أكبر سلطة في البلاد التي تتجلى في جلالة الملك نصره الله، وضعت الدعاة إلى التفرقة في موقف حرج لا تحسد عليه أمام المجتمع الدولي، إذ تبين لهم وبوضوح لا يشوبه أي تشويش، أن المغرب بلد الأفعال ولا يتصرف عن الهوى إنما هو عزم أقوى من كل الكلام الذي تحاول الأطراف التي تسعى إلى تفرقة المغرب والمغاربة إذاعته.
وعلى الدولة الاستمرار في تطوير المناطق الصحراوية أكثر فأكثر واتباع سياسة دولية قوية عبر تجنيد الأقلام الكاتبة للبحث في تاريخ المغرب وإثبات عدالة قضيته التي لا يتناقش عقلان عن صحتها. كما ندعو وسائل الإعلام بكل تفريعاتها، السمعية البصرية والورقية والإلكترونية، للدفاع عن قضيتنا والوقوف كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، إلى جانب الملك وجميع مؤسسات الدولة المغربية لترسيخ الوحدة الوطنية في قلوب الأجيال القادمة وفي عقولها.
محمد أرسلان

10/07/2018