تاريخ جيش التحرير المغربي (1): السياق العام للتأسيس

تميز الوضع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية بتنامي وتوسع حركات التحرر لدى شعوب العالم، بغية التخلص من الاستعمار المباشر وغير المباشر في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، ومن أجل الحصول على استقلالها الحقيقي وكامل حقوقها الوطنية، مستفيدة من حدة الصراع بين المعسكر الغربي الرأسمالي والمعسكر الشرقي الاشتراكي، ونَصَت عدة اتفاقيات ومواثيق دولية خاصة في إطار منظمة الأمم المتحدة الناشئة آنذاك على هذا الاتجاه وأقرت بضرورة تصفية الاستعمار وتأكيدها على حق الشعوب في تقرير المصير.

وقد حققت هذه الحركات في مجموعة من البلدان نجاحات مهمة خاصة تلك التي انتهجت خيار الكفاح المسلح للحصول على استقلالها، وأعطت بذلك الأمل والحافز لباقي الشعوب لإمكانية هزيمة الاستعمار مهما كان تفوقه العسكري والاقتصادي...، وتجربة الفيتام المثال الساطع على الهزيمة التي منيت بها القوات الاستعمارية الفرنسية والأمريكية.

في حين أبان خيار التفاوض السلمي مع القوى الاستعمارية على سهولة احتوائه من قبلها وعلى محدودية نتائجه، وهو الخيار الذي أفضى في أحسن الحالات لتشكيل كيانات دول "مستقلة" شكليا لكنها تحافظ على بنيات استعمارية وشبه استعمارية على جميع المستويات، بواسطة فئات محلية مستفيدة من الوضع ومرتبطة بالمستعمر على كافة المستويات.

وبالنسبة للمغرب، الذي خضع للاستعمار تحت غطاء الحماية من طرف فرنسا وإسبانيا، لم يكن معزولا عن هذه التطورات الدولية، وقد تعرض لشتى أشكال الاستغلال، وأحدث المستعمر تغييرات في كامل بناه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية للمغرب، عبر تقوية الارتباطات العضوية التي تطورت منذ فترة ما قبل الحماية (والتي تواصلت حتى بعد 1956) بين فئات المحميين المغاربة والأجانب، وعكسته الاتفاقيات التي فرضتها السلطات الفرنسية على المغرب لخدمة مصالحه وأهدافه واستفادت منها تلك الفئات، في حين تأزم الوضع بالنسبة لعموم الشعب المغربي على كل الأصعدة.

هذا الوضع ساهم في تنامي الشعور الوطني لدى فئات عريضة من الشعب المغربي ضد الاستغلال الاستعماري والبطش والقمع الذي نهجه المستعمر في حقه، والذي تفاقم خلال وبعد الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها فرنسا منهكة، مما فرض عليها البحث عن حلول لأزمتها، خصوصا مع نهوض كل الشعوب المستعمرة للحصول على استقلالها.

وقد تباينت الخيارات في مجابهة الاستعمار من أجل تحقيق الاستقلال، فقد برز، من جهة، خيار يتمسك بالحوار والتفاوض مع المستعمر، وهو ما تشبثت به "الحركة الوطنية" التي كانت تطالب في البداية بالإصلاحات في ظل الاستعمار في الوقت الذي كانت المقاومة المسلحة لا تزال قائمة في الأطلس، ثم انتقلت إلى المطالبة بالاستقلال أو "الاستقلال الذاتي" وبعودة محمد الخامس.

ومن جهة أخرى، تبلور خيار يرى عدم جدوى التفاوض والحوار، وبضرورة استعمال الكفاح المسلح من أجل إنجاز مهمة التحرر من الاستعمار وحلفائه المحليين، وهذا ما كان يمثله جيش التحرير المغربي ومحمد بن عبد الكريم الخطابي وحركة المقاومة المسلحة عموما.

وهذا التباين في الخيارات نجده واضحا في الصراع داخل الأحزاب المغربية آنذاك بين شبابها الثائر المتطلع لنهج كل الخيارات من أجل الاستقلال والنهج المهادن لقيادات تلك الاحزاب، كما نجده بين النهج الرسمي التفاوضي لتلك الأحزاب في مقابل موقف الفئات العريضة من الشعب المغربي وشعورها الوطني واستعدادها لخوض كل التحديات من أجل الاستقلال، كما أن هذا التباين في المواقف عكسته كذلك الصراعات داخل "لجنة تحرير المغرب العربي" بالقاهرة بين محمد بن عبد الكريم الخطابي وممثلي باقي الأحزاب السياسية الموقعة على وثيقة التحرير وقانونها الأساسي.

كما أن الأوضاع المتفجرة في البلد المجاور الجزائر آنذاك وتصاعد حدة المواجهة العسكرية بين قوات الاحتلال الفرنسية وجيش التحرير الوطني الجزائري، مع حجم الاستقطابات الإقليمية بعد ثورة الضباط الأحرار بمصر، والتهاب القضية الفلسطينية خاصة بعد نكبة 1948، زكى الحماس التحرري في المنطقة ككل.

كل هذه العوامل ساهمت في عملية بروز جيش التحرير المغربي، بدء بتشكل خلاياه السرية في عدد من مناطق الريف والأطلس المتوسط ومناطق أخرى بالشمال الشرقي وغيرها، إلى إعلان انطلاق عملياته الحربية ضد القوات الاستعمارية في 02 أكتوبر 1955، وما أعقب ذلك من أحداث وسياقات ومسارات خلال تلك الفترة الحاسمة والمصيرية من تاريخ المغرب في خمسينيات القرن الماضي.