دعا الملك المغربي محمد السادس في خطابه بمناسبة الذكرى الثالثة والأربعين للمسيرة الخضراء؛ الجزائر إلى طيّ الخلافات مع المغرب، وفتح صفحة جديدة لمواجهة تحديات وإشكالات مشتركة، في إطار من التنسيق والتعاون. مبدياً استعداد المغرب للانخراط في حوار جادّ مع هذا البلد المغاربي، كسبيل لتطوير العلاقات وتذليل كل الخلافات، كما دعا أيضاً إلى إحداث آلية للحوار والتشاور، مع الانفتاح على المبادرات الجزائرية الواردة في هذا الصدد، لمواجهة حالة الجمود المخيّم على العلاقات بين الجانبين..
وتأتي هذه الخطوة التي تنمّ عن إجراء عملي، يعكس حسن نية المغرب إزاء محيطه الإقليمي، وعن رغبة حقيقية في تطوير وتعزيز العلاقات بين الجانبين، ضمن سلسلة من المبادرات السابقة التي دعا من خلالها الملك محمد السادس؛ الجارة الشرقية إلى فتح الحدود وتفعيل البناء المغاربي وتعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين بشكل خاص، والدول المغاربية بشكل عام.
وتنمّ المبادرة المغربية في هذا الخصوص عن بُعد نظر ورؤية استراتيجية، إذا استحضرنا حجم التحديات التي تواجه النظام الإقليمي العربي برمّته في الظروف الراهنة، وبالنظر أيضاً إلى حجم التدخلات والمؤامرات التي تتعرض لها المنطقة بصورة غير مسبوقة، علاوة على تنامي المخاطر العابرة للحدود كالهجرة السرية والإرهاب، ما يفرض التعاون والتنسيق والتكتّل.. كما تحيل أيضاً إلى الوعي الكبير بحجم الكلفة التي يخلّفها بقاء الأمور على حالها بالنسبة للمنطقة المغاربية كاملة في زمن التكتلات الدولية والإقليمية الوازنة..
وجدير بالذكر أن المطالب بفتح الحدود وإرساء تعاون اقتصادي بين الجانبين، ظلت حاضرة أيضاً ضمن خطابات الكثير من الأحزاب المغربية والنخب الأكاديمية والفعاليات المدنية والإعلامية.. المقتنعة بنجوع هذه الخيارات في كسب رهانات المستقبل.. قابلتها الكثير من النخب والفعاليات الجزائرية والمغاربية بقدر كبير من الترحيب..
حقيقة أن العلاقات المغربية - الجزائرية، ظلت تدار بين الجانبين بقدر من الاتزان والهدوء، على امتداد العقود الأخيرة رغم الخلافات المطروحة. وتنطوي المبادرة على أهمية كبرى، بالنظر إلى الظروف التي جاءت فيها، وبالنظر إلى ما يمكن أن تتمخض عنها من نتائج إيجابية بالنسبة للعلاقات بين البلدين أو على مستوى دعم البناء المغاربي.. ولذلك لقيت ترحيباً كبيراً داخل الأوساط المجتمعية والسياسية والأكاديمية المغربية، كما نوهت بها الكثير من الأطراف، فالأمين العام للاتحاد المغاربي اعتبرها عاملاً دافعاً لمسار الاتحاد، وتوقع انعكاسها الإيجابي على مستوى تحريك الأمور نحو الأفضل.. كما أن الأمين العام لجامعة الدول العربية، اعتبرها خطوة مهمة من شأنها فتح أفق جديد على مستوى العلاقات بين البلدين بشكل خاص، والبناء المغاربي بشكل عام.
يتعلق الأمر برسالة واضحة من أعلى مستوى إلى بلد جار، تجمعه بالمغرب مجموعة من المقومات المشتركة في أبعادها التاريخية والحضارية والاجتماعية.. لوقف حالة الهدر الزمني والاقتصادي الذي ظلّ مهيمناً على العلاقات بين البلدين منذ سنوات، رغم الجهود والمبادرات المبذولة منذ عقود لإرساء مغرب كبير تذوب فيه الخلافات..
ففي الوقت الذي كان العالم يشهد فيه تحولات كبرى ومتسارعة أواخر التسعينات من القرن الماضي بعد سقوط جدار برلين، سعى زعماء الدول المغاربية إلى توقيع معاهدة مراكش لعام 1989، والتي تأسس بموجبها الاتحاد المغاربي، وهي خطوة مهمة واستراتيجية ترجمت حلم الأجداد، واستجابت في مضمونها وآفاقها لطموحات شعوب المنطقة، نحو مزيد من التعاون والتواصل الكفيلين بمواجهة التحديات الكبرى التي يفرضها المحيط الدولي الراهن في إطار من التنسيق والتكتّل..
خلّف إبرام المعاهدة، أجواءً من التفاؤل في أوساط الكثير من النخب الأكاديمية والسياسية والاقتصادية وداخل عمق المجتمعات المغاربية، نحو طيّ الخلافات، وتكثيف الجهود لكسب رهانات مشتركة، بالنظر إلى الإمكانات البشرية والطبيعية والموقع الاستراتيجي الذي تحظى به المنطقة، بما يسمح بمنح هذه الأخيرة مكانة اقتصادية واستراتيجية لائقة بها في عالم اليوم..
شهدت هذه الفترة دينامية مكثفة لإرساء مؤسسات الاتحاد المغاربي، سواء تعلق الأمر بالأمانة العامة الموجودة بمدينة الرباط، ومجلس الشورى الذي يقع مقره في العاصمة الجزائرية، والهيئة القضائية التي توجد في العاصمة الموريتانية نواكشوط، إضافة إلى الجامعة المغاربية والأكاديمية المغاربية للعلوم المتركّزة في العاصمة الّليبية طرابلس، ثمّ المصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية الموجود في تونس العاصمة.
كما شهدت المناطق الحدودية بين المغرب والجزائر، انتعاشاً ملحوظاً على المستويات التجارية والاقتصادية والسياحية، ونفس الوضع بالنسبة للمناطق الداخلية أيضاً، غير أن توالي الأحداث التي شهدتها المنطقة أسهمت في كبح هذه الجهود، فبعد دخول الجزائر في متاهات من العنف ضمن ما يعرف بالعشرية السوداء، وإغلاق الحدود البرية الفاصلة بين المغرب والجزائر عام 1994، بمبادرة من هذه الأخيرة، بعد فرض المغرب التأشيرة على الجزائريين الراغبين في الدخول للتراب المغربي، في أعقاب العمليات الإرهابية التي شهدتها مدينة مراكش خلال السنة نفسها، إضافة إلى تطورات قضية الصحراء المغربية.. بدا أن تحقيق الحلم المغاربي، ما زال محفوفاً بالتحديات والعقبات..
إن التفاعل الجزائري الإيجابي مع الدعوة المغربية، سيكون منطلقاً لوضع قطار البناء المغاربي على سكّته الحقيقية، بالنظر إلى حجم البلدين ووزنهما داخل هذا التكتل، كما أن فتح الحدود وتعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين، سيسمحان حتماً باختفاء مجمل الخلافات العالقة بشكل تلقائي وتدريجي، لحساب المشترك الوازن الذي يجمع الطرفين في الحاضر والمستقبل.

د.إدريس لكريني

18/11/2018