حوار أجرته اسبوعية "الايام'، العدد 850 الصادر في  29 نونبر 2018،  مع أحمد نورالدين، الباحث في القضايا الدولية والاستراتيجية.



1.    كيف تقرأ سياق إطلاق "القمر الصناعي محمد السادس- ب"، والذي سيمكن من مراقبة التراب الوطني بشكل كامل، ويمكن أن يرصد تحركات جبهة "البوليساريو" الانفصالية في المنقطة العازلة؟



يجب التذكير بأنّ المغرب ولج عصر الأقمار الاصطناعية منذ عقدين من الزمن عندما أطلق أول أقماره الاصطناعية بصاروخ روسي من قاعدة بايكنور في كازاخستان. من هذه الزاوية نحن أمام مرحلة جديدة في برنامج استراتيجي لامتلاك وتوطين تكنولوجيا الرصد الفضائي متعدد المهام. أما مراقبة تحركات جبهة تندوف الانفصالية فتعتبر جزئية بسيطة ضمن سلّة لا متناهية من التطبيقات العلمية في مجالات المناخ والطقس وإعداد التراب والتعمير والمسح الطبغرافي والخرائط وعلم المحيطات والاتصالات والبث التلفزيوني والإذاعي والإنترنت بالإضافة طبعاً إلى تطبيقات عسكرية وأمنية على رأسها مراقبة الحدود البرية والبحرية. وبالتالي لا يمكن أن نختزل مشروعا علميا وتكنولوجيا بهذا الحجم في مراقبة كيان محكوم عليه بالتلاشي بسبب ارتباطه العضوي بالنظام العسكري الجزائري المتداعي هو الآخر للانهيار.



2.     هل يدخل في إطار السباق المغربي الجزائري لتحديث قواته وأدوات تأثيره في مواجهة محتملة؟



أكيد أنّ الجزائر فرضت على المغرب سباقاً نحو التسلح، فحسب معهد ستوكهولهم للسلام، استوردت الجزائر خلال الخمس سنوات الماضية 2012-2017 حوالي 46% من قيمة واردات كل الدول الإفريقية مجتمعة من السلاح!  لذلك كان على المغرب أن يحافظ على توازنه الاستراتيجي مع دولة لا تخفي عداءها وتجند كل إمكانياتها العسكرية والدبلوماسية والإعلامية لهدم وحدة المغرب وفصل أقاليمه الجنوبية. وفي هذا السباق تشكل الاتصالات بما فيها عبر الأقمار عاملا حاسما في كسب الحروب المعاصرة.



ولكن رؤية المغرب أبعد من ذلك وأشمل، فتزامن إطلاق القمر الصناعي مع تدشين أول قطار فائق السرعة في القارة الإفريقية، يعطينا مؤشرا بأننا أمام الشّق التكنولوجي من مشروع متكامل للإقلاع الاقتصادي والاجتماعي، والذي يطمح إلى جعل المغرب ضمن نادي البلدان الصاعدة كما ورد في الخطاب الملكي سنة 2014. وهذا بالضبط ما يميزنا عن الجارة الشرقية، فالمغرب، رغم المجهود العسكري والدبلوماسي الذي يقتضيه الدفاع عن وحدته الوطنية وسلامة أراضيه في الصحراء، لم يغفل عن تحديث اقتصاده وتأهيل بنياته التحتية، مع محاولات متواضعة لتحديث نظامه السياسي.



بينما جعلت الجزائر من المشروع الانفصالي لهدم وحدة المغرب قضيتها الوجودية التي تنفق وتُبدد عليها ثروة الشعب الجزائري. وهذا ما جعلها دون وعي تحفر قبرها بيدها من خلال إضعاف اقتصادها بسبب تخصيص ما بين 25 و30% من ميزانيتها للتسلح، مما أدى من ناحية إلى تجميد الحياة السياسية الحقيقية منذ انقلاب العسكر على صناديق الاقتراع سنة 1992، ومن ناحية أخرى إلى تعطيل اقتصادها الذي يعتمد على ريع النفط والغاز بنسبة 97%. وحتى في هذا القطاع فشل النظام حيث تستورد الجزائر النفط المكرر رغم كونها دولة مصدرة للنفط الخام! وكان لذلك انعكاسات على المعدلات القياسية للتضخم والبطالة وانهيار الاحتياطات من العملة الصعبة بنسبة 70%، وتراجع قيمة الدينار الجزائري (1درهم مغربي= 11 دينار جزائري).



وقد نتج عن ذلك تزايد الاحتقان الاجتماعي في صفوف كل الشرائح الاجتماعية التي نزلت للتظاهر في الشوارع بما فيها الأطباء ورجال التعليم وحتى الشرطة ومتقاعدو الجيش. وقد يكون أيضا من نتائجه غير المباشرة اختراق القيادات الأمنية والعسكرية من قبل مافيا المخدرات كما تدل على ذلك فضيحة "الكوكايين" التي أطاحت برأس الجنرال الهامل، المدير العام للأمن الجزائري، وما تلاها من اعتقال ومحاكمة 5 جنراالات من بينهم قائد الدرك الجزائري!



وهذا الوضع الاجتماعي والاقتصادي والأمني المتأزم نتيجة هدر ثروات الشعب الجزائري على نزاع الصحراء والسباق المحموم نحو التسلح قد يكون سببا رئيساً في انهيار محتمل للنظام العسكري الجزائري، والشاهد على ذلك ما وقع للاتحاد السوفياتي الذي تفكك إلى أكثر من 15 دولة بسبب انهيار اقتصاده رغم امتلاكه لثاني أكبر ترسانة عسكرية في العالم. وفي هذا الصدد أعتقد أنّ على المغرب مواصلة دفع الجزائر بطريقة ذكية دون إرهاق الاقتصاد االمغربي، نحو مواصلة سباق التسلح لتعميق أزمتها الاقتصادية والدفع نحو تفجير نظامها االعدواني من الداخل.



3.     قبل حدث إطلاق القمر الصناعي، وجه الملك دعوة للحوار مع الجزائر، هل نحن إزاء مرحلة جديدة في ملف الصحراء لم تظهر ملامحها بشكل جيد في ظل غياب معطيات دقيقة؟



رغم التورط الفاضح للنظام العسكري الجزائري عسكريا ودبلوماسيا وإعلاميا في المشروع الانفصالي لهدم وحدة المغرب، ظلت الخطابات الملكية منذ 1999 تدعو إلى مصالحة تاريخية بين البلدين الجارين، وطي صفحة الخلافات، والتوجه نحو بناء المستقبل بتسخير الإمكانات الهائلة للبلدين الجارين والشعبين الشقيقين من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية لكل المنطقة المغاربية. ولكن حكام الجزائر فضلوا خيار الهدم على البناء، واستمروا في سياستهم العدائية ضد المغرب بل ورفعوا من إيقاعها لتسميم العلاقة مع ملك المغرب الجديد آنذاك، من خلال مقترح الرئيس الجزائري بوتفليقة الداعي إلى تقسيم الصحراء سنة 2001 كما هو مثبت في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة والذي رفضه المغرب في بلاغ حكومي ورسالة رسمية موجهة إلى مجلس الأمن الدولي. ثم بعد ذلك وقّع بوتفليقة رسالةً موجهة إلى مجلس الأمن يرفض فيها مقترح جيمس بيكر الذي كان يطرح حلاّ في ظل السيادة المغربية، فبأي صفة ترفض الجزائر مقترح بيكر إن لم تكن هي الخصم المعني بالنزاع في الصحراء؟! وكما تلاحظون كِلا الموقفين يكشفان الوجهَ الحقيقي للجزائر التي تزعم أنها مجرّد طرف ملاحظ لا غير، بينما تُكذبها الوقائع على الأرض!



وقد تواترت بعد ذلك الأعمال العدائية ضدّ المغرب ومنها حرب الاستنزاف القانونية أمام المحاكم الأوربية والإفريقية، والمعارك الدبلوماسية في الاتحاد والبرلمان الأوربيين ومحاولة عرقلة عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، ثم محاولة توظيف مجلس السلم والأمن الإفريقي الذي ترأسه الجزائر ضدّ وحدة المغرب، وغيرها من المعارك التي امتدت حتى إلى منظمة عدم الانحياز، والقمة الأوربية الإفريقية والقمة العربية الإفريقية، بل وصل الحقد بالدبلوماسيين الجزائريين إلى حدّ الاعتداء الجسدي على دبلوماسي مغربي في سانت لوسي على هامش انعقاد اللجنة 24 التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد وصل الصّلف الجزائري منتهاه سنة 2014 حينما صرح وزير خارجية الجزائر آنذاك بأنّ 2015 ستكون سنة الحسم الدبلوماسي في الصحراء! وقد رافق ذلك إجراء مناورات عسكرية على الحدود المغربية هي الأكبر من نوعها منذ استقلال الجزائر، واحدة منها بحرية وأربعة برية في المنطقة المتاخمة لتندوف، وإمعانا في الاستفزاز أُطلقت عليها أسماء تطفح بالعدوانية ونذكر منها "طوفان 2018" واجتياح 2018" ! ولصبّ مزيد من الزيت على هذه النيران المشتعلة، أعطت الجزائر الضوء الأخضر لميلشيات تندوف الانفصالية لاقتحام المنطقة العازلة وإجراء مناورات بالذخيرة الحية، وصولاً إلى محاولة قطع الطريق في معبر الكركرات والاعتداء على السيارات والشاحنات المغربية، بل واعتقال حوالي 19 مواطنا مغربيا مدنياً واقتيادهم إلى التراب الجزائري في يوليو 2017.



4- ماذا يعني كل هذا في نظركم؟



حين نستحضر هذا السيل العرم من الأعمال العدائية التي تقودها الجزائر ضد المغرب، ونعرضه على مؤشر سباق التسلح بين البلدين الذي بلغ معدّلات غير مسبوقة، نستشف أنّ النزاع في الصحراء أصبح قاب قوسين أو أدنى من  مواجهة عسكرية شاملة، وهذه قراءتي وأتمنى أن أكون مخطئاً فيها. لذلك تأتي الرسالة الملكية، في تقديري المتواضع، كمحاولة أخيرة لنزع فتيل الحرب وإعادة القيادة الجزائرية إلى جادة الصواب بتذكيرها بالتحديات الإقليمية والدولية المشتركة، وبالكفاح المشترك ودعم المغرب للثورة الجزائرية، واحتضان الغالبية الساحقة من قياداتها بما فيها الرئيس الحالي فوق أرض المغرب، وتذكيرها أخيراً بالأخوة في الدين والدم ! أظن أنها دعوة لخيار بناء مستقبل الأجيال القادمة في البلدين، والحيلولة دون خيار الهدم الذي يقوده جنرالات الحرب تحت مسميات "الاكتساح" و"الطوفان" الذي سيأتي على الأخضر واليابس ويرهن مستقبل المنطقة للأربعين سنة القادمة على الأقل. ولكنها دعوة في طيّها إعذارٌ للقيادة الجزائرية وإشهادٌ للعالم وللشعبين المغربي والجزائري على أنّ المغرب لم يدخر جهدا في التوصل إلى مصالحة، وأنّ أي انزلاق نحو الكارثة، لا قدّر الله، ستقع مسؤوليته الكاملة على عاتق النظام الجزائري وحده الذي بغى علينا، والبغي مرتعه وخيم كما قال الشاعر!



--

04/12/2018