قراءة في أبعاد مصادقة برلمان الاتحاد الأوروبي على الاتفاق الفلاحي مع المغرب، والتأثير المتبادل بين هذا الاتفاق وقضية الصحراء وتداعياته على علاقات  المغرب بالاتحاد الأوروبي،  في حوار نُشر في أسبوعية الأيام في  عدد 24-30 يناير 2019، وأجراه الصحفي الشاب محمد كريم بوخصاص مع الأستاذ سعيد الصديقي .

 

وهذا هو نص الحوار كاملا:

 

عند توقيع أي اتفاق جديد مع أوروبا تحتفي الخارجية المغربية بالموضوع باعتباره إنجازا كبيرا، آخره الاحتفاء بالاتفاق الفلاحي الجديد، إلى أي حد يعتبر هذا الاتفاق إنجازا دبلوماسيا؟

أغلب أهداف المعارك الدبلوماسية ليس هو أن تكسب مغنما جديدا، بل هو الحفاظ على ما في حوزتك. ودون شك يعُد اعتماد الاتفاق الفلاحي بين الاتحاد الأوروبي والمغرب من قبل البرلمان الأوروبي تتويجا لجهد ديبلوماسي طويلة وشاق دام شهور، لذلك يحق لوزارة الخارجية وغيرها من المتدخلين في هذا المجال أن يحتفوا بهذا الانجاز. وتكمن خطورة هذه المعركة لو خسرها المغرب أنها كانت ستشكل سابقة قضائية وستكون لها تداعيات سياسية كبيرة، وستستغل في المستقبل من قبل خصوم المغرب، وهذا ما يفسر رفض المغرب لأي صيغة يفهم منها ضمنيا استثناء الأقاليم الصحراوية من الاتفاق. ولم يكن الاتفاق وحده المهدد بالإلغاء، بل علاقات المغرب بالاتحاد الأوروبي برمتها كانت على المحك، لاسيما عندما عبَّر المغرب عن موقف صارم فيما يتعلق بوضع الأقاليم الصحراوية في هذا الاتفاق، كاد أن يدخل العلاقات بين الطرفين في أزمة غير مسبوقة. لذلك فمصادقة الاتحاد الأوروبي على الاتفاق دون المس بوحدته الإقليمية يعد بالتأكيد انتصارا دبلوماسيا للمغرب، وجعل أيضا العلاقات بين الطرفين تسير في مسارها العادي.

 

الملاحظ أن كل اتفاق مع أوروبا يعقبه حرب طاحنة من أجل استكمال ذلك الاتفاق مسطرة التصديق عليه، وأحيانا حتى تفعيله، بالنظر إلى لجوء خصوم المغرب إلى المحكمة الأوروبية ومناورات أخرى؛ هل في صالح المغرب أن تبقى اتفاقاته مع أوروبا في عملية "كر وفر“؟

 

جوهر هذه المعركة ليس هو المضمون الاقتصادي والمالي للاتفاق، بل بعده السياسي المتعلق بإدراج الأقاليم الصحراوية صراحة أو ضمنا ضمن الإقليم المغربي في هذا الاتفاق. وكما نعرف فإن حرب المغرب الدبلوماسية في هذه القضية هي سجال، بمعنى أنه قد يتقدم هنا أو هناك، وقد يواجه صعوبات أحيانا، فمسار قضية الصحراء صعب، وتكتنفه منعرجات كثيرة. والمغرب واع بهذا الأمر، لذلك لا أتصور أنه يعتبر المصادقة على هذا الاتفاق من قبل البرلمان الأوروبي يمثل نهاية لمعاركه الدبلوماسية على الساحة الأوروبية، فلا تنتهي معركة حتى تبدأ أخرى. وومن جهة أخرى، فليس من مصلحة المغرب أن تظل علاقاته مع شركائه الأوروبيين رهينة بمستجدات قضية الصحراء ومناورات خصومه. وتجدر الإشارة إلى أن قضية الصحراء لم تكن تشكل أي عائق في اتفاقيات الشراكة السابقة مع الاتحاد الأوروبي، وقد وجد خصوم المغرب في السنوات الأخيرة أن من شأن المعركة القضائية إزعاج المغرب، وإعاقة بعض مشاريع التعاون مع الاتحاد الأوروبي، لكن هذه المعركة لن تستمر طويلا إذا أوجد المغرب مع شركائه صيغا للاتفاقيات تحقق نوعا من التوافق بين مبدأ الوحدة الإقليمية للمغرب والموقف المحايد لبعض شركائه من القضية، وأيضا إذا راكمت المؤسسات الأوروبية قرارات قضائية وسياسية لصالح المغرب.

 

فضلا عن معارك المغرب في أوروبا نجد أيضا أن الرباط تتطلع دائما إلى أن تمر اجتماعات مجلس الأمن في أبريل دون خسائر؛ أليس هناك من حلول نهائية لعدم استنفار الدبلوماسية الرسمية في كل محطة؟

قضية الصحراء محور ثابت في أجندة الدبلوماسية المغربية، وهذا قدر المغرب وقد يستمر هذا الوضع لمدة طويلة، وهذا ما يجعل الدبلوماسية المغربية في حالة استنفار دائم. وهذا هو طبيعة الدبلوماسية التي لا تتوقف عن العمل على مدار الساعة إذا استحضرنا البعثات البدلوماسية المنتشرة في مختلف أنحاء العالم، الذي يجعل من وزارة الخارجية وبعثاتها أقرب إلى خلايا حرب دائمة، لذلك يصطلح عليها مجازا بالآلة الدبلوماسية. ونظرا لأنه لا يلوح شيء في الأفق يوحي بقرب إيجاد تسوية نهائية لقضية الصحراء، فإن قدر الدبلوماسية المغربية أن تقوم بتدبيرها حسب الظروف المتقبلة في النظام الدولي. لذلك، يفترض أن تكون للدبلوماسية المغربية فرق عمل دائمة تتابع قضية الصحراء لاسيما في الجوانب السياسية والقانونية والإعلامية، وأن يكون لهذه الفرق برنامج طويل الأمد، ولا تنتظر الأحداث الطارئة فقط. كما أن من شأن وجود هذه الفرق، أن يخفف العبء على الآلة الدبلوماسية المغربية، خاصة فيما يتعلق بمتابعة مستجدات القضية، وصياغة الردود، واستباق الأحداث، وتقدير المواقف، وإنجاز البحوث.

 

إذا كان قدر المغرب أن يحاول الرد على مناورات البوليساريو مادام ملف الصحراء بدون حل نهائي، هل أنت مقتنع أن الدبلوماسية المغربية تلعب بشكل جيد على كل الواجهات بما يخدم القضية؟

من حيث التقييم العام لأداء الدبلوماسية المغربية، سواء تعلق الأمر بوزارة الخارجية أو غيرها من الفاعلين الدبلوماسيين الآخرين، فأرى أن حفاظ المغرب على الوضع القائم في الصحراء يعد في حد ذاته إنجازا مع وجود خصوم لهم أيضا أوراق مؤثرة على الساحة الدولية. التقييم بالنتيجة النهائية، وليس بالمعارك الفرعية التي تربحها الدبلوماسية المغربية أحيانا وقد تخسرها، ولا يحسب الانتصار في المجال الدبلوماسي بالضربات القاضية، بل بتركام الانجازات مهما كانت صغيرة أحيانا. وأهم إنجاز للدبلوماسية المغربية أنها تحافظ حتى الآن على تموقع المغرب في النظامين الجهوي والدولي، وليس هناك تراجع من شأنه أن يضر بمصالحه الحيوية وعلى رأسها قضية الصحراء. وعلاوة على ذلك، فتقييم الدبلوماسية لا يكون فقط بما حققته من إنجازات إيجابية، بل أيضا بمنع الخصوم من تسجيل اختراقات قد تشكل في المستقبل سوابق سياسية وقانونية. عموما، فقواعد لعبة الأمم تختلف عن حساب الربح والخسارة في الساحة السياسية الداخلية.

 

كيف السبيل إلى محاصرة مناورات البوليساريو وداعميها؟

أولا يبنغي النظر إلى قضية الصحراء باعتبارها قضية مستعصية ولا يمكن حلها بين عشية وضحاها،  بالإضافة إلي وضع استراتيجية بعيدة الأمد لإيجاد حل نهائي لها، تحتاج أيضا إلى تدبيرها، ولاسيما المعارك السياسية والقانونية والإعلامية العرضية. وبالموازاة مع هذا الاستعداد الدائم للطوارئ، يحتاج المغرب إلى تعزيز دبلوماسيته الهجومية والاستباقية. هناك أيضا حاجة ملحة إلى مراكمة مرافعات قانونية وإعلامية وسياسية وأكاديمية متينة وذات مصداقية على المستوى الدولي، وأن تتجنب تكرار الخطاب الرسمي. الدبلوماسية الرسيمة لها خطابها ولغتها، لكن المرافعة الموازية تحتاج إلى خطاب آخر مختلف عن الخطاب الرسمي وإن كان الخطابان ينهلان من مرجعية واحدة ولهما مضمون واحد، لكن الأسلوب والمنهجة مختلفان.

علينا أن نقر أن خطابنا ومرافعاتنا لصالح قضية الصحراء رغم وفرتها، لكن من حيث الإقناع والتماسك لا تزال في حاجة إلى تطوير وتجويد. إن الإقرار بنقطة الضعف هذه هي في حد ذاته نقطة قوة وبداية جيدة. ولايضيرنا أن نعترف أن مصادقة البرلمان الأوروبي للاتفاق الفلاحي ليس بالضرورة بسبب اقتناع أعضاء البرلمان الأروبي بحجج المغرب حول قضية الصحراء سواء القانونية أو السياسية أو غيرها، بل أولا بفضل الضغط السياسي الذي مارسه المغرب على الاتحاد الأوروبي، وأيضا قدرته على المناورة  للاتفاف على مضمون حكم المحكمة الأوروبية، وأيضا لحاجة الأوروبيين للمغرب في ملفات كثيرة في هذه المرحلة. بمعنى أننا مطالبون بتعزيز حججنا ومرافعاتنا، إذا أردنا أن نرجح كفتنا دائما، وإلا فسنواجه صعوبات كثيرة في المستقبل إذا انتفت الشروط السياسية التي جعلت البرلمان الأوروبي يصادق على هذا الاتفاق بهذه الصيغية.

 

هل يمكن البناء على تراكمات الاختراقات المغربية في المؤسسات الإقليمية والأممية لإنهاء الصراع؟

 

مثل هذه ”الاختراقات“ مهمة من الناحية التكتيكية والسياسية، وستعزز الموقف المغربي على الساحة الدولية، لكنها غير قادرة على إيجاد الحل النهائي للقضية، لأن مسار قضية الصحراء طويل.

قد تساهم هذه المؤسسات الإقليمية والدولية في تخفيف الاحتقان وتوفير أجواء ملائمة لبعض التسويات، لكنها لن تستطيع أن تحل القضية نهائيا. وحتى إذا توصلت إلى صيغة ما لحل القضية سياسيا تحت رعاية الأمم المتحدة أو أي وساطة دولية أخرى، فإن النزاع سينشب من جديد ولو بشكل مختلف، إذا ظل النظام الإقليمي المغاربي على حاله.

 مواقف وقرارات هذه المؤسسات الدولية والإقليمية هي نفسها انعكاس لموازين القوى الدولية والإقليمية السائدة، كما هو شأن قضية الصحراء ذاتها، ومهما حاولنا أن نحارب المظاهر فلن نفلح في ذلك، ما لم نتوجه إلى جذور القضية. لذلك أرى أن الحل يكمن في نظري في المحيط الجهوي للمغرب، وخاصة علاقاته مع الجزائر. ومع الأسف فإن النظام المغاربي الحالي قد يحتاج إلى أجيال ليتغير بما يؤدي إلى تسوية نهائية للقضية، اللهم إذا حدث تحول سياسي عميق في الجزائر يؤدي إلى تغيير جوهري في استراتيجية سياستها الخارجية.

25/01/2019