Ahmed Baba Meska

في 27 فبراير من سنة 1976، وبالتزامن مع مغادرة آخر جندي إسباني للصحراء الغربية، أعلنت جبهة البوليساريو، قيام "الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية"، وتعود فكرة إعلان "الجمهورية" إلى الدبلوماسي الموريتاني أحمد بابا مسكة، الذي قرر الالتحاق بالانفصاليين بعد خلافه مع صناع القرار في نواكشوط.

تخلد جبهة البوليساريو نهاية شهر فبراير من كل سنة، ذكرى إعلانها قيام "الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية"، وتنظم لهذا الغرض مؤتمرات وعروض عسكرية في مخيمات تندوف بالجزائر، وأيضا في المنطقة العازلة شرق الجدار الرملي، والتي تطلق عليها اسم "المناطق المحررة".

ففي 27 فبراير من سنة 1976، أعلنت جبهة البوليساريو من جانب واحد عن قيام "جمهوريتها" من تندوف الجزائرية، وسارعت العديد من الدول التي كانت محسوبة آنذاك على المعسكر الشرقي للاعتراف بها.

وتعود فكرة إعلان تأسيس "الجمهورية" إلى الدبلوماسي الموريتاني أحمد بابا مسكة، ففي تصريح سابق لموقع يابلادي قال المحجوب السالك أحد مؤسسي جبهة البوليساريو، وزعيم تيار "خط الشهيد" المعارض لقيادة جبهة البوليساريو"الفكرة كانت فكرة أحمد بابا مسكة رحمة الله عليه والوالي مصطفى السيد اقتنع بها وأقنع بها القذافي وأقنع بها الجزائر أيضا، ففي الوقت الذي أعلن فيه الوالي قيام الجمهورية في مخيم بير طولات كان نفس الخطاب والكلمات تذاع على التلفزة الجزائرية والليبية".

وتضم جبهة البوليساريو في صفوفها عددا من الموريتانيين، والصحراويين الجزائريين، الذين قرروا الالتحاق بالجبهة بعد اندلاع القتال بينها وبين المغرب، بحكم التأثير القبلي العابر للحدود بين البلدان الثلاثة.

بين المغرب وموريتانيا

وبدأ صاحب فكرة تأسيس "جمهورية" جديدة في الصحراء، مسيرته السياسية، نهاية سنوات الخمسينات، حيث انضم إلى "حزب النهضة"، الذي كان على خلاف مع الرئيس الموريتاني المختار ولد داداه.

وكان المغرب يتحدث آنذاك عن أحقيته في ضم موريتانيا، وانقسم السياسيون الموريتانيون، بين من يدافع عن استقلال البلاد، وبين من يرى أنها يجب أن تنظم إلى المغرب، وكان ولد داداه مع الخيار الأول، وهو ما جعل أحمد بابا مسكة يتقرب من صناع القرار في المغرب.

فقد دشن مسكة حملة سياسية قوية ضد نظام ولد داداه، وربط صلاتٍ وثيقة برموز الحركة الوطنية المغربية خاصة المهدي بن بركة، وسافر إلى الرباط وتمكن من لقاء الملك محمد الخامس، وهو ما جعل النظام الموريتاني يسخط عليه ويتهم حزبه بالحصول على تمويلات من المغرب.

وفي سنة 1959 تم حل حزب النهضة، واعتُقل أحمد بابا مسكة بعد دعوة الحزب إلى العصيان المدني، فقضى عامين في السجن ثم خرج منه في 1961.

وبعد مفاوضات، قبل أحمد مسكة، الانضمام إلى حكومة المختار ولد داداه، وعين أمينا عاما لـ"حزب الشعب الموريتاني" الذي أصبح الحزب الوحيد في البلد، ومع ذلك استمرت الخلافات بينه وولد داداه.

وفي محاولة لاتقاء شره، عينه ولد داداه أول سفير لموريتانيا لدى الأمم المتحدة، وهناك بدأ يغير موقفه من المغرب، إذ بدأ يطالب بإعطاء حق تقرير المصير لسكان الصحراء الغربية التي كانت محتلة من قبل إسبانيا.

هذا الموقف كان مخالفا للموقف الرسمي الموريتاني، فتم استدعاؤه إلى نواكشوط عام 1966 وأودع السجن بتهمة الفساد المالي ثم حوكم وبُرئ. بعدها بأربعة سنوات قرر اعتزال العمل السياسي وتوجه إلى منفى اختياري له في فرنسا.

من موريتانيا إلى البوليساريو

في سنة 1975، وقع المغرب وموريتانيا وإسبانيا اتفاق مدريد، الذي تم بموجبه اقتسام الصحراء الغربية بين المغرب وموريتانيا، آنذاك عاد اسم أحمد بابا مسكة إلى الواجهة، محذرا من ضلوع موريتانيا في نزاع حول الصحراء.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل قرر على غرار الكثير من الموريتانيين والصحراويين الجزائريين، الانضمام إلى جبهة البوليساريو في صراعها مع المغرب، وأصبح ناطقا باسم الجبهة الانفصالية، وكان كثير التنقل بين الجزائر وفرنسا للدفاع عن الطرح الانفصالي.

وفي المؤتمر الثالث لجبهة البوليساريو المنعقد في شهر غشت من سنة 1976، عين عضوا في مكتبِها السياسي، وكان ملازما لمؤسس الجبهة الولي المصطفى السيد، كما عين بعد ذلك رئيسا "للمجلس الوطني الصحراوي المؤقت".

وبعد الانقلاب الذي شهدته موريتانيا على نظام المختار ولد داداه في العاشر من يوليوز 1978، لعب دورا بارزا في تقريب وجهات النظر بين البوليساريو وقادة موريتانيا الجدد، مما مكن من إنهاء الحرب بينهما وتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار وإبرام معاهدة السلام 5 غشت 1979، وهي المعاهدة التي انسحبت بموجبها موريتانيا من منطقة وادي الذهب.

العودة إلى موريتانيا

مع تغير الوضع في موريتانيا، قرر العودة إلى بلاده بعد قضائه 14 سنة خارجها، لكن بمجرد عودته تم اعتقاله، وبعد الإفراج عنه غادر إلى فرنسا، قبل أن يقرر العودة إلى بلاده، حيث سجن مرة أخرى سنة 1986 لصلات له مفترضة بحراك زنوج موريتانيين مطالبين بمزيدٍ من الحقوق والحريات وكان، وبعد الإفراج عنه غادر مرة أخرى إلى باريس حيث عمل مديرا في اليونيسكو.

وفي سنة 2007 عاد إلى موريتانيا فاستقر فيها وتقلد عدة مناصب سياسية، دون أن يتخلى عن دعم جبهة البوليساريو، ففي سنة 2014، شارك في المؤتمر الـ14 للجبهة الانفصالية، وألقى كلمة أمام قادتها.

بابا مسكة يغادر الحياة وجمهوريته بقيت على الورق

في 14 مارس من سنة 2016، غادر بابا مسكة الحياة، وفي اليوم الموالي نعته جبهة البوليساريو في بيان لها وقالت إن "الدولة الصحراوية تشهد للمناضل أحمد بابا مسكة بأن حياته ظلت شجرة خضراء من العطاء النقي من خلال الدفاع عن حق الشعب الصحراوي في الحرية والاستقلال، فلا زالت تضحياته مثمرة في المجلس الوطني الصحراوي وفي الأمم المتحدة وفي توجيهاته السياسية بالداخل والخارج".

وخلال شهر فبراير من السنة الماضية، أطلقت الجبهة الانفصالية، اسم أحمد بابا مسكة، على قاعة المداولات داخل مقر "برلمانها".

وبعد مرور أكثر من أربعة عقود لا تزال "الجمهورية الصحراوية" دولة على الورق فقط، يستغلها قادة جبهة البوليساريو للاغتناء ومراكمة الثروات، عن طريق تحويل المساعدات الإنسانسة، فسما تستعملها الجزائر كورقة ضغط لابتزاز المغرب.

وللإشارة فبعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين المغرب وجبهة البوليساريو سنة 1991، وتغير ميزان القوى في العالم بانهيار الاتحاد السوفياتي، اختار العديد ممن آمنوا بفكرة إقامة دولة في الصحراء العودة إلى المغرب.

28/02/2019