يوم نشرت مقالا في البواوبة الالكترونية peuinforma تحت عنوان " الصحراء الغربية، ولم لا مبادرة الحكم الذاتي؟"، في 19 من فبراير من 2019، توقعت أن يكون طرحي موضوع نقاش جاد وتفكير عميق وتبادل للآراء المختلفة، بشكل يواكب ويعزز شعلة الأمل التي أذكاها المسار السياسي. وهل هناك شيء اكثر ديمقراطية من هذا؟

لكن فوجئتُ بشكل كبير بوابل من ردود الأفعال الاندفاعية والدغمائية والمتطرفة التي تصب جميعها في خانة السب والتجريح من طرف أعضاء وأصدقاء لجبهة البوليساريو.لا أُكنّ حقدا لمن شتموني. بالنسبة لي فالمديح يُنقَشُ على الرخام بينما السِّباب يُرسم على الرمال!

مع كل أسف، فنظرا لمشاركتي سابقا في الهيستيريا الجماعية الرامية لشيطنة الطرف الآخر، فأنا أدرى بطرق عمل هذا النسق. حين شرعتُ في هذا النضال، تكونت لدي فكرة واضحة بأن وفائي كان وسيظل للشعب الصحراوي. لست بالرجل المبايع للنظام ولا للمؤسسات المنغلقة والمنيعة الدخول. انا مفكر حر ينبذ الرأي الواحد. 

 

الحقيقة قبل كل شيء

 

هل سأكون أنا اكثر "انشقاقا" من كل الأعضاء المؤسسين للبوليساريو الذين قرروا الانفصال عنه خلال فترات زمنية متفرقة من النزاع والرجوع الى المغرب، حيث استطاع العديد منهم الاندماج بنجاح في الحياة السياسية والاقتصادية للبلد؟ 

اقصد بذلك الشيخ بيد الله، رئيس الغرفة البرلمانية العليا السابق والكاتب العام السابق لثاني حزب سياسي بالبلد "البام"؛ عمر الحضرمي، الذي يُعدُّ أحد مُنظّري البوليساريو؛ وكجمولة بنت أبي، أول رئيسة لجمعية النساء الصحراويين؛ وينجا خطاط، الرئيس الحالي لجهة الداخلة؛ ويحيى بوشعاب، الوالي الحالي للعيون؛ وإبراهيم حكم، وزير الخارجية السابق للبوليساريو؛ والبشير الدخيل؛ وأحمد ولد السويلم، وزير سابق بالبوليساريو؛ وعبد الرحمان الليبك؛ والرائد أيوب؛ ومصطفى بوه برزاني؛ وحمادي الرباني، الوزير السابق بالبوليساريو. 

هل سأكون أنا "مرتدا" اكثر من الزعماء ذوي الوجاهة بالبوليساريو الذين افصحوا عن انشقاقهم امام العامة وفضلوا الاستقرار بأوروبا وموريتانيا من حيث يواصلون النداء من اجل القيام باصلاح ديموقراطي للحركة وبمراجعة لأهدافها، مثل المحجوب السالك، مؤسس الحركة المعارضة خط الشهيد؛ او الحاج أحمد، زعيم المبادرة الصحراوية من اجل التغيير؛ أو سلمى ولد سيدي مولود؟

هل سأكون أكثر "نكرانا للجميل" من آلاف الصحراويين الذين غامروا بحياتهم وقطعوا الصحراء على الأقدام هربا من مخيمات تندوف بالجزائر نحو ارضهم بالصحراء الغربية؟ 

 

هل كل الشخصيات المرموقة هي على خطإ؟ 

 

هل يا ترى أنا اكثر عصيانا وانحرافا من الشخصيات ذات الصيت العالمي مثل خافيير بيريث ديكويلار وبيتر فان فالسوم والمبعوث الشخصي السابق للامين العام للأمم المتحدة بطرس غالي وفيليبي غونزاليس الذين أثاروا الانتباه الى الطابع غير الواقعي وغير القابل للتحقيق لخيار الانفصال ودعوا البوليساريو لإبداء استعداد إيجابي للبحث عن حل نهائي؟

حين فتحت الموضوع، فعلت ذلك انطلاقا من هذا التوجه. وضعتُ لحظة توقّفٍ في نضالي الأعمى لفتح مسار نقدٍ ذاتي دفعني للتساؤل: لماذا يفرون من المخيمات؟ هم اكثر من عشرة آلاف بما فيهم جميع الأعضاء المؤسسين للبوليساريو. من المستحيل ان يكون ذلك بدافع الخيانة. 

على إثر عشر سنوات من النضال، كان من الضروري ان اجد لحظة توقفٍ المُراد منها التوجه نحو المستقبل. الى أي منحى تتوجه قضية الانفصال؟

فمنذ الثمانينات والبوليساريو تعاني من سحب دول لاعترافاتها بها، حيث انتقل عدد الدول التي مازالت تعترف بهذا الكيان من ثمانين إلى عشرين، تتوزع حاليا بين جنوب القارة الافريقية التي تقع تحت تأثير دولة جنوب افريقيا ودول “الألبا” بأمريكا اللاتينية

 

بانوراما مرير

 

اما ما يتلو ذلك فهو أسوء. فرجوع المغرب الى الاتحاد الأفريقي، واضعا بذلك حدا لسياسة المقعد الفارغ، أخذ يعطى ثمار نجاحه الاولى من خلال تجميد عمل هذه المنظمة لصالح خيار الانفصال ومن خلال تهميش البوليساريو وداعميها داخل اروقة الاتحاد الافريقي. 

أما في امريكا اللاتينية، فإن حالة عدم الاستقرار التي تعصف بفينيزويلا تحت نظام مادورو، الداعم الاول للبوليساريو بالمنطقة، وتداعياتها على دول الألبا تنذر بمستقبل مشؤوم لهاته القضية بالمنطقة. 

وعلى مستوى جهة شمال افريقيا، فان الوضع أيضاً لا يبعث على التفاؤل. فعلى اثر سقوط النظام الليبي، الذي كان يوفر دعما سياسيا وماديا كبيرا للبوليساريو، فإن المشاكل المؤسساتية للجزائر، اكبر داعمي هذه الاخيرة، مقرونة بمشاكل الإرهاب وعدم الاستقرار التي تضرب منطقة الساحل، تدفع في اتجاه معاكس لخيار الاستقلال. 

كما تنضاف الى ذلك حالة التوتر التي تعرفها المخيمات والتي تُعدّ بمثابة قنبلة موقوتة حقيقية. فالمواجهات الأخيرة بين القبائل كشفت ما سعت البوليساريو لإخفائه طويلا، أقصد الطابع القبلي لبنيتها، مع هيمنة تامة لقبيلة الركيبات، وهو ما يشكك في الطابع الديمقراطي لهذه الجبهة ويمهد الطريق لنزاع قبلي حقيقي (بين أزيد من 30 قبيلة) في حالة الانفصال. وتمثل، بهذا الصدد، دولة جنوب السودان مثالا حيا للدولة الفاشلة الغارقة في حروب قبلية لا نهاية لها. 

 

الحل الذي يمكّن من تجنب الانهيار التام

 

لقد مرّت 44 سنة منذ اندلاع النزاع. إنه لمن السذاجة والغباء الاعتقاد بأن المغرب سيتخلى يوما عن أراضي الصحراء الغربية. لا توجد اية قضية أخرى تحظى بالإجماع والتوافق لدى المجتمع المغربي قاطبة كما هو الحال بالنسبة لما تُعرف في المغرب بالقضية الوطنية.   

ان قناعاتي وقِيمي تصب في الدفاع عن الكرامة الإنسانية والحرية والحقوق الأساسية كحرية التجوال والحق في التعليم والصحة والسكن اللائق. هل يا ترى يستفيد اللاجئون بتندوف من هذه الحقوق؟ 

لقد سافرت الى مخيمات تندوف على غرار العديد من الأصدقاء الداعمين دوليا للبوليساريو. غالبا ما كنا نتحاور فيما بيننا بشان الأوضاع الكارثية هناك وبشان احتياجات أناس طيبين بسطاء لا يتوانون عن تقاسم ما لديهم مع الضيوف على قلته. ينفطر قلبي لرؤيتهم مايزالون على هذا النحو. خيار الاستقلال او لا شيء غيره هو خيار غير واقعي، بل هو خيار فظيع. لقد بات من المستعجل جدا ايجاد حل لهاته الكارثة الإنسانية. 

كما ان العشرة آلاف شخصا الذين غادروا فارين من المخيمات خلال الأربع والأربعين سنة المنصرمة، لم يمروا عبر المطارات المتوفرة على وسائل الراحة، بل غامروا بحياتهم وزجوا بأنفسهم في صحراء قاحلة ومُلغّمة. فالله وحده يعلم كم منهم فقدوا الحياة. 

 

ما البديل المتبقي؟

 

التسريع بايجاد حل سياسي للنزاع، على أساس المسار السياسي للأمم المتحدة، الذي تحظى في إطاره مبادرة الحكم الذاتي المغربية بتثمين البلدان المؤثرة بمجلس الأمن الدولي وكذا بتثمين جانب هام من المجتمع الدولي. 

في السابع والعشرين من فبراير، الذي يتوافق وخلق ج.ع.ص.د، فانه ليعَدّ إثماً لن يغفره الله ان تسترسل هاته الاخيرة في  خداع الساكنة بانتصارات كاذبة. فالواقع هو أنها لم تربح أي معركة على أية الجبهات، سواء منها السياسية أو الديبلوماسية. والحقيقة هي ان الشعب الصحراوي سيجدني دائما في صفه.

ريكاردو سانتشيز سييرا

 ترجمة ع.ن

04/03/2019