تتكون مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم المغرب بها رسميا إلى الأمم المتحدة من 35 مادة، وتنص توفر جهة الصحراء على شرطة وبرلمان وحكومة محلية، مع احتفاظ المملكة بمقومات السيادة، لا سيما العلم والنشيد الوطني والعملة، المقومات المرتبطة بالاختصاصات الدستورية والدينية للملك. ورغم رفض البوليساريو للمبادرة إلا أنها لا زالت تفرض نفسها بقوة في مسار البحث عن حل للنزاع الذي دام طويلا.

في 30 من شهر يوليوز من سنة 2006، أعلن الملك محمد السادس في خطاب العرش، عن قرار المغرب تقديم مبادرة للحكم الذاتي للصحراء، في إطار سيادة المملكة ووحدتها الترابية، باعتباره حلا لنزاع الصحراء الغربية الذي عمر لعقود طويلة، وتوجيه كل جهود المغرب "وطاقاته لمسيرة التنمية الشاملة، وللدفع ببناء الاتحاد المغاربي، كخيار لا محيد عنه، بوصفه من صميم الحكمة، ومنطق التاريخ وحتمية المستقبل."

وفي 11 أبريل من سنة 2007، سلم السفير المندوب الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، مصطفى ساهل، بنيويورك إلى الأمين العام الأممي بان كي مون، نص المبادرة المغربية. وفي 13 أبريل 2007، أكد الأمين العام في تقريره الذي حمل رقم (S/2007/202) أنه توصل بالمبادرة المغربية، وأوصى بأن يدعو مجلس الأمن المغرب وجبهة البوليساريو للدخول في مفاوضات مباشرة ومن دون شروط مسبقة.

ولا تزال المبادرة المغربية تفرض نفسها بقوة أثناء مناقشة النزاع في المحافل الدولية، وخصوصا بمجلس الأمن الدولي، حيث دأبت الدول الأعضاء بالمجلس وعلى رأسها الدول الدائمة العضوية على التنويه بالجهود المغربية ووصفها بالجهود ذات "المصداقية والجدية".

كما أن المغرب ظل متمسكا باعتبار الحكم الذاتي إطار واحدا ووحيدا للتفاوض مع جبهة البوليساريو، وأنه أقصى ما يمكن أن يقبل به.

الخطوط العريضة لمبادرة الحكم الذاتي

يتكون المشروع المغربي من 35 مادة، وتؤكد في مادتها الثامنة أن نظام الحكم الذاتي، المنبثق عن المفاوضات يخضع "لاستشارة استفتائية للسكان المعنيين، طبقا لمبدأ تقرير المصير ولأحكام ميثاق الأمم المتحدة".

وتنص المبادرة في مادتها الثانية عشرة على توفر الإقليم على إدارة محلية وشرطة محلية ومحاكم جهوية. ويؤكد المقترح في مادته الرابعة عشرة، على أن الدولة تحتفظ باختصاصات حصرية، خاصة منها "مقومات السيادة، لا سيما العلم والنشيد الوطني والعملة، المقومات المرتبطة بالاختصاصات الدستورية والدينية للملك، بصفته أمير المؤمنين والضامن لحرية ممارسة الشعائر الدينية وللحريات الفردية والجماعية، والأمن الوطني والدفاع الخارجي والوحدة الترابية، العلاقات الخارجية والنظام القضائي للمملكة".

وسيكون للصحراء بحسب مبادرة الحكم الذاتي برلمان يتكون "من أعضاء منتخبين من طرف مختلف القبائل الصحراوية، وكذا من أعضاء منتخبين بالاقتراع العام المباشر من طرف مجموع سكان الجهة"، كما سيكون بإمكان الإقليم انتخاب رئيس حكومة من قبل البرلمان الجهوي، وينصبه الملك بعد ذلك.

وسيكون بإمكان البرلمان الجهوي بحسب ما تنص عليه المادة 22 إحداث محاكم تتولى "البث في المنازعات الناشئة عن تطبيق الضوابط التي تضعها الهيئات المختصة لجهة الحكم الذاتي للصحراء. وتصدر هذه المحاكم أحكامها بكامل الاستقلالية وباسم الملك".

وتعهد المغرب في المادة 29 بمراجعة "الدستور المغربي وإدراج نظام الحكم الذاتي فيه، ضمانا لاستقرار هذا النظام وإحلاله المكانة الخاصة واللائقة به داخل المنظومة القانونية للمملكة".

كما تعهدت المملكة في المادة 30 باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة من أجل "إدماج الأشخاص الذين تتم عودتهم إلى الوطن إدماجا تاما في حظيرته، وذلك في ظل ظروف تكفل الحفاظ على كرامتهم وسلامتهم وحماية ممتلكاتهم".

وسيصدر المغرب بحسب المادة 31 "عفوا شاملا يستبعد أي متابعة أو توقيف، أو اعتقال أو حبس، أو أي شكل من أشكال الترهيب، ينبني على وقائع مشمولة بهذا العفو".  وتؤكد المادة الموالية أنه بعد موافقة الأطراف على مشروع نظام الحكم الذاتي، "يساهم مجلس انتقالي مكون من ممثلي الأطراف في تدبير عودة سكان المخيمات إلى الوطن ونزع السلاح والتسريح، وإعادة إدماج العناصر المسلحة التي توجد خارج تراب الجهة".

المبادرة المغربية والتجارب الدولية

تشير الأستاذة بجامعة محمد الخامس بالرباط أمينة المسعودي، في كتابها "مشروع الحكم الذاتي المغربي: الحل الأنجع لقضية الصحراء"، إلى أن المغرب انفتح في تقديمه لمبادرة الحكم الذاتي على التجارب الدولية، "بل ذهب بعيدا ليقدم عناصر جديدة متجاوزا بذلك ما هو معمول به في مجال الحكم الذاتي ببعض التجارب الدولية، لتكون بذلك أهم إيجابيات المبادرة المغربية للحكم الذاتي واضحة وجلية في نقاط ثلاث: احترام المعايير الدولية المعمول بها في العالم، واختيار رئيس الحكومة الجهوية عن طريق الانتخاب، ثم توفير ضمانات دستورية للحكم الذاتي لجهة الصحراء المغربية".

وبحسب المبادرة المغربية، فجهة الصحراء ستتوفر على شرطة محلية، وهو اختصاص قلما تتوفر عليه مناطق أو جهات متعددة ذات حكم ذاتي عبر العالم، حيث تشير الدكتورة أمينة المسعودي إلى أنه في إسبانيا مثلا، التي تتمتع مناطقها السبعة بحكم ذاتي، لا تتوفر على شرطة محلية مستقلة إلا منطقة كاتالونيا ومنطقة الباسك بينما لا تملك شرطة من هذا النوع باقي المناطق المستقلة رغم تعدد صلاحياتها.

كما تؤكد المسعودي أن المبادرة المغربية تسمح لجهة الصحراء بممارسة العلاقات الخارجية بالنسبة لكل القضايا ذات الصلة المباشرة باختصاصات هذه الجهة، حيث يجوز لجهة الحكم الذاتي للصحراء، بتشاور مع الحكومة، إقامة علاقات تعاون مع جهات أجنبية بهدف تطوير الحوار والتعاون بين الجهات. وبذلك يقترب مشروع الحكم الذاتي لجهة الصحراء من النظام الأساسي لجهتي آصور ومادير بالبرتغال، حيث تمارس الجهتان أيضا صلاحيات في مجال التعاون الخارجي.

وتؤكد المسعودي في كتابها أنه يلاحظ في تجارب دولية أخرى، فيما يخص الاختصاصات الحصرية للدولة، أن الاختصاصات الحصرية التي احتفظت بها دولة الدنمارك مثلا في علاقتها مع جزيرة فيري، المتمتعة بالحكم الذاتي، تفوق بكثير الاختصاصات التي احتفظت بها الدولة المغربية في علاقتها مع جهة الصحراء، حيث لا يدخل في اختصاص جزيرة فيروي كل ما يتعلق بمجالات النقل الجوي والكنيسة وحماية المجال البحري ومراقبة الصيد والبحار والوقاية المدنية والقضاء والشرطة السياسية الخارجية.

وبخصوص الموارد المالية والرقابة، يتحدث كتاب المسعودي عن أن المقترح المغربي قريب من النموذج الإسباني.

البوليساريو تتمسك بخيار الاستفتاء

وسارعت جبهة البوليساريو للإعلان عن رفضها للمبادرة المغربية مباشرة بعد الإعلان عنها، معلنة تتمسكها بإجراء استفتاء لتقرير المصير، رغم أن الأمم المتحدة أقرت بتعذر إجرائه، نتيجة عدم الاتفاق بين طرفي النزاع على قائمة الأشخاص الذين يحق لهم التصويت.

ورغم موقف جبهة البوليساريو، تبنى مجلس الأم في 30 أبريل بالإجماع القرار رقم 1754 الذي أحاط فيه علما بالمقترح المغربي الخاص بالتفاوض حول نظام الحكم الذاتي في الصحراء ورحب بالجهود المغربية المتسمة بالجدية والمصداقية والرامية إلى المضي قدما بالعملية صوب التسوية كما ناشد الأطراف بالدخول في مفاوضات دون شروط مسبقة مع الأخذ في الحسبان التطورات الحاصلة على مدار الشهور الأخيرة، من أجل التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين.

وفي 18 و19 يونيو من سنة 2007 أجريت الجولة الأولى من المفاوضات بين المغرب والجبهة الانفصالية، بمنهاست (نيويورك)، تحت رعاية المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة.

وفي 21 أبريل من سنة 2008  صرح المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة المكلف بملف الصحراء بيتر فان فالسوم أمام مجلس الأمن بأن "استقلال الصحراء الغربية ليس خيارا واقعيا"، وفي 5 ماي من سنة 2008 أعرب إريك جينسون رئيس بعثة المينورسو، عن دعمه لأفكار المبعوث الخاص للأمم المتحدة بيتر فان فالسوم التي تعتبر أن "استقلال الصحراء ليس خيارا واقعيا".

واقترح فالسوم أن تكون المفاوضات بين المغرب والبوليساريو على أساس ألا يرغم مجلس الأمن المغرب على استفتاء في الصحراء الغربية، وأن لا تعترف الأمم المتحدة بسِـيادة الرباط على الإقليم دون اتفاق بين الجانبين.

وأشار فالسوم إلى أن النزاع يقوم على أساس أنه نزاع مغربي جزائري، وليس بين المغرب والبوليساريو، وقال "إن السبب الرئيسي الذي يجعلني أجِـد أن الوضع القائم أمرٌ لا يُـطاق، كونه وضعا تجِـد فيه راحتها، ليس فقط أطراف غير معنِـية لبلدان بعيدة، ولكن أيضا أطراف مؤيِّـدة بشكل غير مشروط لجبهة البوليساريو، والتي لم تعِـش هي نفسها داخِـل المخيَّـمات، ولكنها مُـقتنعة بأن أولئك الذين يعيشون في هذه المخيمات، ربّـما يفضِّـلون البقاء هناك بصورة دائمة، بدل الاتجاه نحو حلٍّ مُـتفاوض بشأنه أن يكون أقل من الاستقلال الكامل".

28/07/2019