تتزامن ذكرى عيد العرش لهذه السنة مع الذكرى العشرين لتولي محمد السادس مقاليد الحكم، وهو التزامن الذي سيغري بالتأكيد المتابعين لمختلف الملفات التي طرحت بتناولها علاقة بالحكم وتدبيره، وواحد من أهم هذه الملفات ملف الصحراء، الذي يمكن القول إنه تحول إلى واحد من المواضيع الحيوية ذات التدبير الاستعجالي لدى الملك، خاصة في السنين العشر الأخيرة؛ إذ تميزت العشرية الأولى بمعالجة مختلف الإشكالات السياسية والحقوقية التي ورثها الملك عن المرحلة السابقة، وكان ملفا الإنصاف والمصالحة والانتقال الديمقراطي محط تركيز من طرفه، لننتقل في العشر سنين الأخيرة إلى نزول الملك بكل ثقله لإعادة وضع ملف الصحراء على سكته الصحيحة، معالجة أخطاء الماضي وتصحيحها بالشكل الذي أثر على الملف إيجابا. نذكر من أهم المحطات:

على المستوى الدستوري: دستور فاتح يوليوز الذي دستر الثقافة الحسانية الصحراوية واعتبرها رافدا من روافد الثقافة الوطنية الأصيلة التي أغنت ثقافة المغرب التعددية وأعطتها بعدا حضاريا إلى جانب الثقافات الوطنية الأخرى، أضف إلى ذلك دسترة الجهوية المتقدمة باعتبارها اللبنة الأولى للوصول للحكم الذاتي والممر الديمقراطي المحلي لتأهيل المؤسسات المنتخبة ديمقراطيا محليا، للوصول السهل إلى الحكم الذاتي كمبادرة سياسية-ديمقراطية.

على مستوى الدبلوماسية الرسمية: الملك، خاصة في خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2015 وما تلاه من خطب ومبادرات دبلوماسية، أكد أن الدبلوماسية المغربية هي دبلوماسية متحررة، منفتحة على كل الاتجاهات والدول، ولا يمكن أن تكون استقلالية قرارها محط أي نقاش، حتى لو حاول الخصوم لي ذراع المغرب. هذا الخيار أعطى للمغرب مساحة شاسعة من المناورة السياسية، إذ بانفتاحه على العديد من الدول، خاصة روسيا والصين، وتعزيز شراكته مع حلفائه التقليديين فرنسا، أمريكا وإسبانيا، عزز من فرص اختراق تكتلات ودول كانت للأمس القريب علاقتنا بها ملتبسة، وغير قوية دبلوماسيا، هنا جاءت زيارته لروسيا واستقباله من طرف الرئيس بوتين، بعدها حط الرحال بأغلب الدول الإفريقية، حتى منها من كانت علاقتنا بها شبه منقطعة، مبددا سوء الفهم الناتج عن خيارات تاريخية، ومؤكدا أن المغرب مستعد لكل المداخل لبناء علاقات مبنية على الصراحة، الثقة، والشراكة الثنائية. هنا اعتمد المغرب على دبلوماسية اقتصادية كمدخل للنقاش السياسي.

هذا ما انعكس على ملف الصحراء، إذ أصبحت مبادرات المغرب تحظى بالكثير من الإجماع، فحتى الدول التي كانت لها ارتباط مصالحي مع الجزائر أصبح خيارها بفضل انفتاح المغرب عليها هو الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن، ولم تعرقل القرارات التي تم اتخاذها لصالح الملف ولصالح وجهة نظر المغرب السياسية.

على المستوى الإفريقي: المغرب قرر العودة إلى عمقه الإفريقي، وهي العودة التي كانت محط شك من طرف العديد من المتابعين؛ لكن النتيجة كانت أن استرجاع المغرب لمقعده في الاتحاد الإفريقي كان مناسبة أولا لتصحيح خطأ الانسحاب، ثانيا محاصرة الخصوم في ما كانوا يعتبرونهم عقرهم؛ فطيلة مدة غيابه عن هذا الإطار الإفريقي ظل الخصوم يستصدرون عشرات القرارات ضده ويروجون لأطروحة البوليساريو في الاتحاد الإفريقي، وبالعودة المغربية، ومن خلال الرسالة التي تلاها الملك شخصيا في القمة الإفريقية، وما سبقها من دعم سياسي لغالبية دول الاتحاد الإفريقي لهذه الخطوة، تحول الكيان الوهمي إلى أقلية على هامش جدول أعمال الاتحاد الإفريقي وأجندته، وأعاد المغرب التوازن المطلوب للاتحاد كتكتل قاري في علاقته بملف الصحراء.

على المستوى اللاتيني: جولة وزير خارجية المغرب التي جاءت في إطار المقاربة الإستراتيجية للملك في العديد من دول أمريكا اللاتينية، خاصة منها التي كانت تعترف بالكيان الوهمي، والتي أعلنت تصحيحها لما سمته الخطأ التاريخي المتمثل في اعترافها بالكيان الوهمي، عززت من حضور المغرب لاتينيا، خاصة في إطار تمتين علاقات دول الجنوب-جنوب. ويظل المغرب والبرازيل مدخلان لهذا التكتل وللضفتين الجنوبيتين. البرازيل كقوة اقتصادية والمغرب كبوابة قوية نحو إفريقيا والشرق الأوسط.. لهذا يمكن القول إن العمق اللاتيني أصبح رهانا إستراتيجيا للمغرب بعد أن رسم نفسه داخل الاتحاد الإفريقي..رهان سياسي واقتصادي لا ينتظر سوى زيارة ملكية إلى هذا العمق بنفس الروح التي تجسدت في زيارته إلى إفريقيا.

على المستوى الأوروبي: بفضل سياسة الحزم والصرامة التي اعتمدها المغرب خارجيا، خاصة مع أوروبا، إذ ظل يرفض أي نقاش حول تجديد اتفاقية الصيد البحري خارج سيادته على جل مياهه الإقليمية، مع ربطه لأي حوار حول العلاقة بينهما بمناقشة مختلف القضايا الحيوية لمختلف الأطراف، وظل صامدا أمام الضغط السياسي الذي مارسه اللوبي الاقتصادي اليميني الأوروبي واليسار الراديكالي، في تحالف غريب بينهما ضد المغرب وقضيته الوطنية، فرض البلد نفسه كمحاور وقف الند للند أمام الاتحاد الأوروبي، وصمد أمام مختلف الضغوط التي اتخذت أحيانا أشكالا متعددة، وهو الصمود والثبات في الموقف الذي توج بالبيان المشترك بين الطرفين، الذي يضع المغرب ضمن خانة الشركاء الإستراتيجيين، مع إعلان الاتحاد الأوروبي عن دعمه السياسي للحل الواقعي لحل نزاع الصحراء وتجديده لاتفاقية الصيد البحري والتبادل الفلاحي دون أي تجزئة للمياه الإقليمية أو لتراب المملكة؛ بل يمكن القول إن تجديد الاتفاقيتين بالشكل الذي هو عليهما اليوم اعتراف سياسي وليس فقط إداريا بسيادة المغرب على هذه الأقاليم.

لذلك فهذا الموقف القوي للمغرب مكنه من تحقيق مكاسب سياسية كبيرة، جعلته يقضي على كل الآمال في إضعافه أمام قوة أوروبية كبيرة، ويحقق نصرا حقيقيا على الخصوم داخل أوروبا وأجهزتها.

على المستوى الأممي: عاش المغرب محطات عدة من محاولات الضغط عليه لفرض حل سياسي تجاوزه التاريخ والواقع، بدءا من محاولة توسيع مهمة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، وهي المحاولة التي اصطدمت بإرادة الدولة، التي تصدت لكل مناورة في هذا الباب، إذ عمدت إلى دسترة المجلس الوطني لحقوق الإنسان وإعطائه هامشا كبيرا للتحرك للجانه الجهوية لحقوق الإنسان بالأقاليم الصحراوية؛ وهي الوضعية التي حولت المجلس ولجانه إلى مخاطبين بالمنطقة، وجعلته يحصل على الصفة "أ" داخل مجلس حقوق الإنسان، ما أدى إلى اعتراف أممي بهذه الآلية كآلية وطنية مستقلة وكمخاطب محلي في موضوع حقوق الإنسان، ما سد الباب أمام أي مطلب يخص تغيير وضعية المينورسو.

كما أنه بفضل حزم المغرب وصرامته تجاه الأمم المتحدة، خاصة لحظات المؤامرة الكبيرة التي انخرط فيها للأسف الأمين العام للأمم المتحدة السابق بان كيمون ومبعوثه، اللذان اصطدما بقوة خطاب المملكة الذي عبرت عنه خطب المسيرة الخضراء لسنوات 2015 وما تلاها، إذ كان الخطاب واضحا جعل المغرب يضع النقط على الحروف في العلاقة مع الأمم المتحدة وأمينها العام، إذ لا نقاش خارج إطار الحكم الذاتي وأرضيته السياسية كقاعدة للحل؛ لينتهي الأمر بالأمم المتحدة إلى الإقرار بكون لا حل غير الحل الواقعي ذي روح ودينامية جديدتين، وهي المعايير التي أصبحت قرارات الأمم المتحدة تعتمدها كمرجعية سياسية للحل، ما يعد انتصارا سياسيا للمغرب.

عشرون سنة من حكم محمد السادس في هذا الباب، بفضل الإستراتيجية التي اعتمدها المغرب، المبنية على الاستقلالية، الوضوح والصرامة، جعلته يعالج مختلف الاختلالات التي عرفها تدبير الملف، من ثم يحقق مكاسب قوية لصالح البلاد وقضيتها الوطنية الأولى.

نوفل البعمري

01/08/2019