قرار مجلس الأمن الصادر ليلة 31 أكتوبر، الذي حظي بموافقة وإجماع غالبية أعضاء المجلس الخمسة عشر، إذ صوتت عليه الأغلبية المطلقة مقابل امتناع دولتين عن التصويت، مما يعني ألا دولة رفضت القرار، ويؤكد ميلاد وعي أممي متقدم بأهمية التوصل إلى حل سياسي يحقق للساكنة الصحراوية حقها في العيش الكريم والحرية والديمقراطية، ويمكنها من العودة إلى وطنها الأم المغرب، وينهي معاناتها الممتدة لأكثر من أربعين سنة تحت الخيام وحرارة الشمس والجوع والعطش دون أية حقوق حتى البسيطة منها.

 

القرار الحالي بمضامينه يكون قد دخل مرحلة جديدة من مراحله بعد مرحلة الاعتراف والإقرار بمبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي، جدي وذي مصداقية، نحن أمام صفحة أخرى جديدة من تاريخه دخلها النزاع بعد تحول هذا الاعتراف إلى تحصيل حاصل وثابت ومن ثوابت قرارات مجلس الأمن وتوجهه السياسي، لينتقل الملف اليوم نحو خطوة أخرى منه ومن مساره السياسي لإنهاء هذا النزاع الطويل المفتعل حول الصحراء الغربية المغربية.

 

قرار مجلس الأمن أصبح اليوم لا يكرس فقط الحكم الذاتي باعتباره حلا واقعيا، والمجسد للروح الجديدة التي أصبح يطالب بها، بل أيضا رسخ وللمرة الثالثة على التوالي ما يلي:

 

اعتراف مجلس الأمن بإقليمية النزاع، بمعنى أنه لم يكن يوما، وهو ما ظل المغرب يؤكده، صراع بين المغرب كدولة وتنظيم "سياسي" اسمه البوليساريو، أي إنه لم يكن ثنائيا بل كان ذا طبيعة إقليمية ونتاجا لوضع إقليمي مرتبط بمرحلة الحرب الباردة وما قبلها وقبل انهيار جدار برلين ورغبة جزائر بومدين في الهيمنة على المنطقة بإضعاف الجيران.

 

اعتراف مجلس الأمن بالدور الجزائري كنظام في هذا النزاع، وبأنه جزء من أي عملية سياسية مستقبلية وطرف أساسي ورئيسي في الأزمة كما في صناعة الحل. لقد بات واضحا للعالم أن تنظيم البوليساريو لم يكن يوما مستقلا في تحركاته ومواقفه، لم يكن هو من خاض مع المغرب الحرب في الثمانينات، كما أنه لم يكن معنيا بالسلام وإنهاء النزاع، فقد كان ومازال واحدا من أوراق الصراع السياسي الجزائري الداخلي، والحجرة التي وضعها بومدين في حذاء المغرب لمحاولة عرقلة نموه وتطوره، وهو ما دفع الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى الإقرار بالدور الجزائري كنظام في النزاع.

 

مجلس الأمن يكرس مبدأ وخيار الطاولة المستديرة لأية مباحثات ولقاءات للحل السياسي ولسبل التوصل إليه، وفي عرف الطاولات المستديرة حيث تجلس باقي الأطراف، يعني ذلك أنها معنية وجزء من هذه المباحثات وهذه اللقاءات التي يجب أن تتقدم مناقشاتها لتخرج من خيار تكريس الأزمة والوضع الجامد إلى وضع آخر متحرك، حيث تنظم هذه الطاولات المستديرة بجدول أعمال واضحة، تتقدم مع تقدم اللقاءات، وقد كان ذلك واحدا من مطالب المغرب أثناء التحضير لجنيف 3 المؤجلة بفعل استقالة هورست كوهلر.

 

قرار مجلس الأمن بتمديده لبعثة المينورسو أعادها إلى وضعها الطبيعي كبعثة تهدف إلى الحفاظ على السلم في المنطقة ومراقبة وقف إطلاق النار، حيث تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء وكذا القرار الحالي لم يربطا تواجد البعثة بأي ولاية سياسية، بل كانا معا، خاصة قرار مجلس الأمن الحالي، يكرسا وضعيتها الأمنية الحالية لتجاوز مختلف التوترات التي قد تؤدي إلى إفشال العملية السياسية والمغامرة بالمنطقة وجرها نحو المجهول بفعل محتمل طائش للبوليساريو، وهو ما يعني تكريسا لوضعيتها الحالية كحارسة للمنطقة وكراعية للسلام.

 

في النهاية، القرار الحالي يؤشر بشكل واضح على دخول الملف مرحلته الثالثة بعد مرحلة تكريس اتفاق وقف إطلاق النار، ومرحلة وضع مرتكزات الحل السياسي القائمة على الحكم الذاتي، مرحلة ثالثة وضعت مرتكزات التوصل إلى الحل السياسي الواقعي التي ستؤدي إلى إنهاء النزاع على قاعدة الحكم الذاتي، خاصة مع ما يحدث من متغيرات سياسية في النظام الجزائري الذي بلا شك كيفما كانت مساراته لن تؤدي إلى الحفاظ على وضعيته السابقة الجامدة والمتصلبة في العلاقة بالنزاع المفتعل حول الصحراء الغربية المغربية.

 

 

نوفل البعمري

 

03/11/2019