لماذا تجنب الجيش الملكي قصف مؤتمر البوليساريو على أطراف الحدود المغربية؟

مددت ميليشيات البوليساريو إقامتها في ما تسميه “المناطق المحررة” لتيفاريتي، على هامش مؤتمرها الأخير، الذي انتخب من جديد إبراهيم غالي رئيسا للجبهة، ورغم خطورة الخطوة الاستفزازية التي تفرض، حسب “المنطق الحربي”، رد فعل عسكري ودبلوماسي من الجانب المغربي، إلا أن القنوات الرسمية لم تعلق على خطورة عقد مؤتمر البوليساريو فوق أراض مغربية(..).
إن خطورة التمادي، يعكسها البيان العام الصادر عما سمي المؤتمر 15 للجبهة، حيث يقول البيان: ((إن قرار الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب بعقد مؤتمرها الخامس عشر ببلدة التيفاريتي (يصفها بالمحررة) في الظرف الحالي، لذو دلالات ومعان سياسية، اجتماعية، عسكرية وأمنية، تكرس ممارسة “الدولة الصحراوية” لسيادتها على ترابها الوطني..)).
ولم يكن البيان، الذي كتب برعاية عسكرية، ليخلو من الإشادة بالميليشيات التي حضرت إلى عين المكان، حيث جاء فيه أن ((المؤتمر يشيد بكرم ضيافة الناحية العسكرية الثانية وجميع مقاتلي جيش التحرير الشعبي الصحراوي..))، ما يعني أن المؤتمر المزعوم لم يخل من مظاهر الاستفزاز العسكري للجيش المغربي، كما أن الأمر لا يخلو من ترتيبات عسكرية جديدة، فالمؤتمرون الذين تم جلبهم إلى تيفاريتي، فقدوا البوصلة وسط المؤتمر بعد علمهم بوفاة قائد الأركان الجزائري، قايد صالح، ليتوقف المؤتمر لمدة يومين، تأجل خلالها إعلان النتائج المزعومة، ليتسنى الوقت لتلقي الأوامر الجديدة من طرف قائد الأركان الجديد(..).
استفزاز المغرب بعقد مؤتمر مزعوم، ليس هو الأول من نوعه، بل إن المغرب سبق أن تحرك حكومة وشعبا، ضد استفزازات البوليساريو، حيث سبق لوزارة الخارجية أن تحركت يوم الأحد، وهو يوم عطلة في المغرب، لتجتمع بشكل مشترك، وفي ظرف قياسي، مع كل من لجنتي “الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين بالخارج بمجلس النواب”، و”الخارجية والحدود والدفاع الوطني والمناطق المغربية المحتلة بمجلس المستشارين”، أعقبه اجتماع آخر ترأسه رئيس الحكومة مع ممثلي الأحزاب السياسية داخل البرلمان، والسبب هو مناقشة التطورات الجديدة في قضية الصحراء، وهو اللقاء الذي خصص للحديث عن ((استفزازات البوليساريو للمغرب في المناطق القريبة من الجدار العازل))، وتم فتح القنوات الرسمية وغير الرسمية للسياسيين الذين تحدثوا عن ((خيار الحرب في مواجهة الجبهة الانفصالية))، علما أن الحرب توقفت في الصحراء منذ سنة 1991، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار (تفاصيل ضمن عدد 5 أبريل 2018).
غير أن المغرب لم يتحرك هذه المرة، لا سياسيا ولا حكوميا، لاستنكار هذه الاستفزازات، التي تهدف إلى تغيير الوضع على الأرض، ليطرح السؤال: كيف أن المغاربة تحركوا في وقت سابق حكوميا وبرلمانيا ضد مناورات قامت بها سيارتان معدتان للاستعمال العسكري، من نوع “جيب” قرب الجدار الأمني في منطقة المحبس، ولم تتحرك أي جهة رسمية لاستنكار مؤتمر تيفاريتي، رغم خطورته، ورغم الحضور العسكري الذي واكبه(..)؟
ومعلوم أن “التحركات العسكرية” للبوليساريو بالمنطقة، تتم التغطية عليها بتحركات مدنية على شكل وقفات يشارك فيها جزائريون وإسبان، يعملون على استفزاز الجيش المغربي، بعبارات مسيئة للمغرب وللمغاربة، لكن الجيش المرابض بالمنطقة، لا يرد على وجود نشاط للبوليساريو قرب المنطقة بغض النظر عن كونه عسكريا أو شبه عسكري، بغلاف مدني(..).
بخلاف هذه المرة، التي تتميز بالاستمرار في تنظيم موائد مستديرة للحوار حول قضية الصحراء بين المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو، فقد استنكر المغرب على لسان السفير الممثل الدائم للمغرب في الأمم المتحدة، عمر هلال، الاستفزازات، وذلك عبر رسالة بعثها إلى رئيس مجلس الأمن، يؤكد فيها أن ((أي تحريك لأي بنية مدنية أو عسكرية أو إدارية، أو أيا كانت طبيعتها، للبوليساريو، من مخيمات تندوف في الجزائر إلى شرق الجدار الأمني الدفاعي للصحراء المغربية، يشكل عملا مؤديا إلى الحرب))، لكن جواب الأمم المتحدة وقتها، كان غير متوقع، ومخيبا للآمال، حيث قال الناطق الرسمي باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، في ندوة صحفية بنيويورك، مساء يوم الإثنين الماضي، أي بعد أقل من 24 ساعة من اجتماع البرلمان المغربي: ((إن البعثة الأممية، المينورسو، لم تلاحظ أي حركة لعناصر عسكرية بالمنطقة سالفة الذكر))، وأوضح أن ((بعثة المينورسو في المنطقة، تعمل عن كثب على مراقبة الوضع الراهن)).

هل نصدق المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة بكل بساطة، والحال أنه هو نفسه الذي يدافع اليوم عن مشاركة عناصر من “المينورسو” في مؤتمر البوليساريو (انظر الصورة)، بدعوى مراقبة الأوضاع، بعد “ضربة المعلم” التي قام بها المغرب، بطرد المكون السياسي لبعثة “المينورسو”(..).
الاحتجاج على “المينورسو” قد يأتي بنفس الجواب، لكن السؤال الذي يظل مطروحا، هو لماذا لم يتحرك المغرب عسكريا ضد ميليشيات البوليساريو؟ والجواب يكمن في الألاعيب الأمريكية، فالأمريكيون الذين “ورطو” المغرب في الوصول إلى أقصى تنازل، وهو مشروع الحكم الذاتي، يخططون في كواليس برلمانهم لدفع المغرب إلى الحرب، ثم تحوير النقاش كاملا، وتفصيله على مقاس جديد، بعد أن فشلت خطة توسيع صلاحيات “المينورسو” لتشمل مراقبة حقوق الإنسان(..).
إن تعامل المغرب مع “الاستفزازات”، يجب أن تحكمه تحركات مدروسة بعناية، ذلك أن استفزاز الجيش المغربي، لعبة تتداخل فيها عدة أطراف، والأمريكيون الذين دفعوا المغرب إلى اقتراح الحكم الذاتي وتراجعوا للوراء، هم أنفسهم (مع تقسيم الأدوار) يدفعون اليوم في اتجاه مساندة البوليساريو بخبرتهم في مثل هذه النزاعات، وربما نسي كثير من المتتبعين، أنه بتاريخ 23 مارس 2016، اجتمعت لجنة “TOM LANTOS” (طوم لانطوس) التابعة للكونغريس الأمريكي، والمتخصصة في حقوق الإنسان، لمناقشة التقرير الذي أعدته الخارجية الأمريكية بناء على تقريرين مخدومين لـ”هيومان رايتس ووتش”، ومنظمة “أمنيستي أنتيرناسيونال”، خلال هذا الاجتماع، تحدثت كيري كيندي، عدوة المغرب المساندة للبوليساريو ورئيسة مركز “روبرت كيندي”، والتي تقدم نفسها كشاهدة على انتهاكات حقوق الإنسان من طرف المغرب، حيث قالت ما مفاده أن ((المغاربة ليس من حقهم التظاهر ضد الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كيمون))، كما ((قامت بتشبيه الملك محمد السادس بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين، الذي اجتاح الكويت، رغم الفارق الكبير بين الحالتين، حيث اعتبرت أن الوضع في الصحراء شبيها بالوضع في الكويت))، كما هاجمت خلال نفس اللقاء، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، و((شبهت الأوضاع في الصحراء بالوضع في أوكرانيا بالنسبة لروسيا)).
هذا فقط جزء مما يحاك ضد المغرب وجيشه وملكه في الخفاء(..)، فهناك من يحاول جر المغرب إلى توجيه ضربة عسكرية للبوليساريو، وهو ما يعني إيقاف مسلسل السلام، وإعادة تكييف النزاع وفق “المؤامرة الكبرى” التي تتزعمها عدة أطراف، ولا شك أن المتتبعين يلاحظون أن البوليساريو دائما تهدد بإعلان الحرب، ولا تفعلها، والمصير كله مرتبط حسب اعتقادهم بضربة عسكرية مغربية، تحولهم إلى ضحايا(..).
إن عقد مؤتمر البوليساريو بتيفاريتي، فضلا عن كونه استفزازا عسكريا(..)، فهو يكتسي طابع التنفيذ لخطة قيمة، وهي محاولة إعمار المناطق العازلة، وهو الحلم الذي طالما ردده كتاب البوليساريو، فـ((في ظل استعداد بعض الدول الداعمة للشعب الصحراوي (البوليساريو)، خاصة جنوب إفريقيا وفنزويلا والجزائر، لتمويل المشاريع الإنمائية، وتقديم مشاريع البنية التحتية في المناطق المحررة، إن إعلان السيطرة الصحراوية الفعلية على المناطق المحررة، يعني في نظر المنتظم الدولي اكتمال أركان قيام الدولة الصحراوية، ما قد يدفع الكثير من البلدان إلى الاعتراف بها بصفة رسمية، لكن هذا لا يعني التخلي عن تحرير بقية المناطق)).. هكذا كان يتحدث بعضهم(..).
ويا لغرابة الصدف، فتحركات البوليساريو كانت دائما على موعد مع الموت، فقد سبق أن نفوا أي تواجد قرب الجدار، في رسالتهم الأخيرة إلى مجلس الأمن، وهي الرسالة الموقعة باسم عضو “الأمانة الوطنية للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب”، البخاري أحمد، لكن الأقدار شاءت أن تكذب البوليساريو ويموت أحمد البخاري، قبل أن تصل الرسالة إلى مجلس الأمن، مما يؤكد أنه لم يكتبها، لأنه كان في وضع صحي حرج بمستشفى إسباني(..)، وها هو مؤتمر البوليساريو الأخير الذي انعقد في تيفاريتي يتزامن مع موت الجنرال الجزائري قايد صالح، الذي لطالما قدم الدعم للأطروحة الانفصالية(..).

إعداد: سعيد الريحاني

07/01/2020