نزاع الصحراء 2019: حصيلة إيجابية للمغرب

إن تقييم الأداء الديبلوماسي خلال سنة لدولة أمة من حجم المغرب في مقال مقتضب يسترعي النباهة والتركيز في تقديم الكثير في القليل، لذلك مهما سجلنا من نقذ تكتيكي واستراتيجي إزاء الديبلوماسية الرسمية وحيال الديبلوماسية الموازية، فإن ما تحقق، وفق مقياس البراغماتي لصالح المغرب.

أولا: حصيلة السنة اجماع أممي ودولي وإفريقي وأوروبي بدعم الحل السياسي الواقعي؛

ذلك أن المغرب تمكن من ربح المعركة أمميا على مستوى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة المدعمة للمقاربة السياسية واستدراج الجزائر كطرف معني بالصراع، ناهيكم عن ربح رهان التنافس أوروبيا على المستويين السياسي والتشريعي. أما إفريقيا فلقد نجح المغرب في انتزاع الملف من الأداة البيروقراطية في الاتحاد الإفريقي (الموظفين) وجعله رهانا للترويكا السياسية الإفريقية.

وبذلك تمكن المغرب بعودته إلى الاتحاد الإفريقي من ترويض القرار المؤسساتي الإفريقي بما ينسجم مع الخط والغاية التفاوضية أمميا (الحل السياسي المتوافق عليه الواقعي والعملي) وتمكنه من جعل النزاع إقليميا وله محددات مرتبطة والأمن والاستقرار في المجال المغاربي كاملا، هذا دون القفز على ما تراكم على مستوى سحب مجموعة من الدول سابق اعترافها بالبوليساريو.

ثانيا: أهم الأحداث والوقائع التي ميزت سنة 2019 في علاقة بنزاع الصحراء

لقد بدأت سنة 2019 على وقع الزخم السياسي الذي أحدثته الجولة الأولى للقاءات المائدة المستديرة بين أطراف نزاع الصحراء؛ المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو المنعقدة دجنبر من سنة 2018. غير أن ذلك الزخم خبا وأفل في الجولة الثانية في مارس بعد دخول الأطراف في مناقشة الخطوات العملية وعناصر بناء حل دائم ومستديم، بحيث تصلب كل عند مقترحه ومبادرته. فحل أبريل وتم اعتماد قرار يعطي مواصفات مانعة للجهالة بخصوص طبيعة الحل السياسية والواقعية والعملية وتم التمديد للمينورسو لمدة ستة أشهر فقط.

وفي الوقت الذي ينتظر فيه الجميع لقاء المائدة الثالث فوجئ الجميع باستقالة المبعوث الشخصي للأمين العام السيد هورست كوهلر. فحل موعد أكتوبر حيث اعتمد مجلس الأمن قرارا يمدد للمينورسو لمدة سنة في انتظار تعيين مبعوث شخصي جديد، لم يعين لحد الآن. وصادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على توصية تدعم الحل السياسي على غرار مجلس الأمن.

أما على المستوى الأوروبي فقد اتخذت المفوضية الأوروبية قرارا بتمديد التفضيلية الجمركية لتشمل المواد مصدرها الأقاليم الجنوبية المعتمدة ضمن النطاق الجغرافي للمغرب في تطبيق الاتفاقيات معه، وتمت المصادقة عليه من طرف البرلمان الأوروبي والشيء نفسه لأمريكا التي لم تعد تميز في مساعداتها بين الإقليم المغربي. وهو الإقليم الذي اتخذ المغرب تشريعا لحماية سيادته البحرية، نعم التشريع الأخير متأخر مثير لكنه ضروري من أجل تأكيد قناعة وإيمان المغرب بوحدة مجاله الترابي.

ثالثا: التقدم المغربي شدد الخناق على خصمه، والأخير ينظر تغيير تعامله الأممي

يبدو من خلال استقراء المعطيات المتاحة إقليميا ودوليا أن الخط الديبلوماسي المغربي في تصاعد من حيث الفعالية والنجاعة، ويحظى بالجدية والمصداقية، وبدأ المغرب ينال ثمار دبلوماسية الفعل والمبادرة والانفتاح وملء الكرسي. لذلك نتوقع الاستمرارر في خطة التواصل من أجل تحصين المكتسبات وتعزيزها، وإقناع مزيد من الفاعلين لصالح المقترح المغربي.

وإن بلوغ المغرب لهذه المرتبة ضيق الخناق على الخصوم الشيء الذي جعل البوليساريو تقرر في مؤتمرها الأخير الخامس عشر المصادقة على إعادة النظر في مشاركتها في عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة، كما صادقت على قرار استفزازي بنقل منشآتها الإدارية إلى المنطقة العازلة، وهي بذلك تهدد تخرق القرار الأممي الذي نبهها إلى عدم تغيير في الوضع القائم.

بل إن البوليساريو تهدد بوضع حد للعملية السياسية التي آمنت أنها تسير لصالح المغرب. ويعوص الأمر بروز معيق موضوعي يكمن في ما تعرفه الجزائر من ديناميات صاخبة، سيستغل لا محالة من لدن صانع القرار السياسي بالجزائر /العسكر عبر واجهة الرئيس الجزائري الجديد تبون صاحب الشرعية الانتخابية الصغيرة وفاقد للمشروعية السياسية والشعبية.

رابعا: التوقعات؛ الخطر القادم من الكركارات، والأهم بناء الثقة مع الجزائر

شخصيا لا أتوقع حلا قريبا وسريعا للنزاع خلافا لسابق توجه أجهزة الأمم المتحدة التي اعتقدت أن الملف كان جاهزا للحل فكثفت من لقاءاتها وزياراتها وإحاطتها، ومناقشاتها، وضغطها، لتكتشف في الأخير أن تغيير بنية لغة وأسلوب القرارات ووضوح التوجيهات والتذكيرات والملاحظات والتوصيات لا يغير شيئا من تعنت وجمود الجزائر والبوليساريو، لأن الأولوية يجب أن تعطى لبناء الثقة وتقديم ضمان لا غالب ولا مغلوب، وهو ما اقتنع به المغرب وقدم الملك مبادرة نحوها؛ لذا فإنني ومن موقع الباحث المواظب على تتبع مسار الملف وتفاصيله وتحليل أدق جزئياته فإنني أتكهن مزيدا من الأزمات.

خاتمة: إن النزاع مقبل على منعطف خطير، لأن خصوم المغرب يدفعون في اتجاه التأسيس لواقع جديد مفاده استنفاذ السياسة لعملها، وأن ذلك حسب اعتقادهم يفرض عليهم محاولة فرض واقع جديد ولو بالقوة. وإن هذه النوايا تفرض على المغرب مزيدا من النفس الديبلوماسي الجدي، وفي الوقت نفسه عليه الحذر والاستعداد والاستنفار والتعبئة لمواجهة أسوأ الاحتمالات الذي قد يباغته للتغلب عليه والانتصار عليه والحسم النهائي بضم كل وحيازة كل إقليمه والكركارات تبقى دائما منفذ الخطر.


* محام بمكناس وخبير في القانون الدولي قضايا الهجرة ونزاع الصحراء

07/01/2020