2019: سنة التأكيد على مقترح الحكم الذاتي

أكد نوفل البعمري، المحامي والباحث في ملف الصحراء، أن سنة 2019 شهدت أحداثا متسارعة على هذا المستوى، انعكست إيجابا على النزاع وعززت موقع المغرب علاقة بالحل السياسي الذي اقترحه كمخرج على قاعدة رابح/رابح، حيث إن المغرب يحافظ على سيادته ووحدته الوطنية ويضمن بالمقابل عودة لساكنة المخيمات تحفظ كرامتها، في إطار الحل الديمقراطي المغربي.

واعتبر البعمري، في حوار أجرته معه الاتحاد الاشتراكي، أن ما سمي بالمؤتمر 15 لجبهة البوليساريو كان عبارة عن فضيحة، جعلت هذا التنظيم مجرد أداة لإنتاج الاستبداد والديكتاتورية السياسية داخل المخيمات..و أنه رغم الرد السلبي لحكام الجزائر على اليد الممدودة للمغرب، يجب أن يستمر المغرب في رهانه على المستقبل وفي أن يحدث تحول في وعي الحاكمين بالجزائر، وأن يقتنعوا بكون مصالح بلدهم لن تحقق على حساب إضعاف المغرب، فالمغرب ماض قدما في بنائه الديمقراطي والتنموي، ولن يلتفت إلى أي مناوشات تريد جره للماضي أو إلهائه عن هذا الخيار الاستراتيجي، وفي تحقيق المكاسب والنقط لصالح القضية الوطنية دبلوماسيا وسياسيا .

وفيما يلي نص الحوار:

 

 

o نحن نستقبل السنة الجديدة، كيف تقيمون سنة، 2019 وما هو المنتظر من السنة المقبلة تحقيقه فيما يتعلق بملف الصحراء المغربية؟

n شهدت سنة 2019 أحداثا متسارعة على مستوى ملف الصحراء، أحداثا انعكست إيجابا على النزاع وعززت موقع المغرب علاقة بالحل السياسي الذي اقترحه كمخرج على قاعدة رابح/رابح، حيث إن المغرب يحافظ على سيادته ووحدته الوطنية ويضمن بالمقابل عودة لساكنة المخيمات تحفظ كرامتها، في إطار الحل الديمقراطي المغربي.

سنة 2019 شهدت تجديد الاتفاقيات المتعلقة بالتبادل الفلاحي والصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوربي مشتملة الأقاليم الصحراوية ومياهها الإقليمية، كما اعترف مجلس الأمن بالطرح المغربي من خلال الاعتراف بمحورية الدور الجزائري في النزاع والتأكيد على ألا حل غير الحل السياسي الواقعي، الذي يجسده الحكم الذاتي، وترسيم المائدة المستديرة الرباعية كخارطة طريق قد توصلنا إلى المفاوضات مع الجزائر.

شهدنا كذلك التحرك الكبير للمغرب دبلوماسيا مع الصين، روسيا، والولايات المتحدة الأمريكية مما انعكس إيجابا على مواقفها بمجلس الأمن وعزز من شراكة المغرب معهم اقتصاديا وسياسيا، أضف إلى ذلك ما تم إنجازه افريقيا من حيث تعزيز حضور المغرب داخل الاتحاد وسحب متوال لدول افريقية لاعترافها بالكيان الوهمي، وتجاه المغرب لاتينيا وحضوره الكبير هناك أدى إلى سحب العديد من هذه الدول، لها مكانتها القارية، لاعترافها بالكيان الوهمي، كما يظل أهم منجز هو المتعلق بتقوية الإجماع الداخلي الذي برز في عدة مناسبات وطنية ، الإجماع الذي يظل هو مفتاح الحل.

لذلك، فالمنتظر من سنة 2020 هو تعزيز هذه المكاسب، والسير قدما في تعزيز سحب الاعترافات من الكيان الوهمي، والدعم الدولي للحل السياسي وفقا للأرضية التي وضعها خطاب المسيرة الخضراء لسنة 2015، مع الحرص على جعل لحظة مناقشة النموذج التنموي مناسبة لمناقشة وطرح سبل تعزيز التنمية وجلب الاستثمارات للأقاليم الجنوبية وتشجيع الرأسمال الوطني والأجنبي على الاستثمار بها.

o مرة أخرى تعود البوليساريو إلى انتهاك القرارات المتعلقة بالمنطقة العازلة بعقد مايسمى بالمؤتمر الخامس عشر بالجبهة..ماالذي تسعى إليه من خلال هذه الانتهاكات المتواصلة؟

n بداية أشكر جريدة الاتحاد الاشتراكي على هذه الاستضافة والأعزاء في طاقمها، علاقة بالسؤال وجب لفت الانتباه بداية إلى أن مؤتمر جبهة البوليساريو انعقد في سياق متسم بمتغيرات متعددة منها ما تشهده المنطقة، والواقع داخل المخيمات، ثم الملف ككل.

على مستوى تطور الملف سياسيا، المغرب حقق تقدما ملحوظا داخل الأمم المتحدة تجلى في اتساع دائرة الدعم السياسي الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، فالقراران السابقان الصادران عن مجلس الأمن، سواء الصادر في أكتوبر 2019 عدد 2494 أو الصادر قبله في أبريل عدد 2468، أكدا معا على أهمية الوصول إلى حل «سياسي واقعي» «بروح ودينامية جديدة»، وبالتالي هناك حاجة لحل سياسي جديد، حل واقعي يواكب الدينامية التي عرفها الملف منذ المقترح المغربي المتمثل في الحكم الذاتي، والإقرار بأن مقترح «استفتاء تقرير المصير» أصبح حلا غير واقعي، لا يمكن أن يكون أرضية للتوافق السياسي في الملف أو مخرجا له ولمعاناة ساكنة المخيمات الإنسانية، الحقوقية وإنهاء حقبة من نزاع مفتعل كانت ساكنة المخيمات ضحيته الأولى.

على مستوى المنطقة، هناك اليوم وعي جماعي يتشكل لدى مختلف الدول حول وجود ارتباط بين تنظيم جبهة البوليساريو والتنظيمات الإرهابية التي تتحرك في منطقة الساحل-جنوب الصحراء، وما تخصيص الولايات المتحدة الأمريكية لجائزة مالية لمن يرشدها على الإرهابي العضو في تنظيم البوليساريو المسمى «أبو الوليد الصحراوي»، إلا دليل على هذا الارتباط، الذي أصبح اليوم عضويا ولم يعد الأمر يتعلق بحالات معزولة لأفراد منه تلتحق بالتشكيلات الإرهابية، ما يزيد من تأكيد لهذه المعطيات، هو الخلية التي ضبطتها المصالح الأمنية مؤخرا محملة بكميات مهمة من المخدرات والعملة الصعبة والأسلحة التي تسربت من المخيمات، لذلك فتنظيم البوليساريو، بسبب ارتباطاته مع الإرهاب وعصابات الاتجار الدولي في المخدرات، قد أصبح يهدد المنطقة وسلامتها و أمنها خاصة مع الضربات التي تلقتها داعش في سوريا و العراق، ومقتل أبو بكر البغدادي، لتدفع في اتجاه البحث عن موطئ قدم جديد لها في المنطقة مستغلة المخيمات وتنظيم البوليساريو وانهيار بعض الدول في الساحل-جنوب الصحراء التي أصبحت تحت رحمة هذه التنظيمات الإرهابية.

أضف لكل هذا، الوضع العام بالمخيمات وحالة الاحتقان المتزايد التي تعيشها الساكنة، خاصة نشطاءها في علاقتهم بالجبهة وقيادتها، حيث أعلنت عدة أصوات عن رفضها المشاركة في المؤتمر الفضيحة، منهم النشطاء الثلاثة الذين كانوا مختطفين لدى قيادة الجبهة ومليشياتها وهم المدون الشاب «محمود زيدان»، وعضو «المبادرة الصحراوية للتغيير « الفاضل ابريك ، ثم المجند السابق لدى مليشيات الجبهة «بوزيد ابا بوزيد» حيث قادوا ثلاثتهم حملة قوية لمقاطعة المؤتمر الفضيحة، لتستجيب لندائهم أصواتا متعددة، منها الناشط الشاب سعيد زروال المقيم في السويد، الذي وجه رسالة مطولة للرئيس الجزائري الحالي عبد المجيد تبون مطالبا إياه، بل محملا الجزائر مسؤولية الوضع بالمخيمات ومطالبا بالسماح لسكان المخيمات بممارسة حقهم أولا في تقرير مصيرهم السياسي، وتحررهم من قبضة مليشيات الجبهة التي حولت المخيمات لسجن كبير، وأيضا بيان حركة «خط الشهيد» ثم بيان «المبادرة الصحراوية للتغيير» اللتين أعلنتا معا عن مقاطعتهما للمؤتمر الفضيحة، وعدم الاعتراف بمخرجاته المعدة سلفا من طرف المتحكمين الحقيقيين في تنظيم البوليساريو.

لذلك عودة للسؤال، تجدر الإشارة هنا إلى أنه تم سابقا تأجيل المؤتمر الفضيحة لمرتين لحين إنهاء الرزمانة السياسية بالجزائر، نظرا للارتباط الوثيق بين التنظيم والدولة الجزائرية، حيث لم يسمح العسكر الجزائري بعقده إلا بعد وصول عبد المجيد تبون للرئاسة، كما أنه في ظل الترتيبات التي تم اتخاذها، فقد قامت البوليساريو ومعها العسكر الجزائري بقطع جل وسائل الاتصال داخل دهاليز المؤتمر الفضيحة، حتى لا يتم تسريب المشاهد الحقيقية من هناك، وليتحكموا في بث الصور ومشاهد الفيديو المعدة بعناية لإظهار نجاح غير حقيقي، مزيف، وإجماع مزور حول التنظيم و قيادته الفاقدة للشرعية، خاصة منها الشرعيتين الديمقراطية والتمثيلية، كما أنه بالعودة للمشاهد التي قاموا بإخراجها بعناية، فالملاحظ هو حضور كبير وشبه كلي لعناصر بالزي المليشياتي العسكري، مما يؤكد معطى مقاطعة المؤتمر من طرف الساكنة وتحول التنظيم لدرع مليشياتي لا امتداد مدني أو سياسي له داخل المخيمات .

o ماهي قراءتك لنتائج المؤتمر، وموقف ساكنة المخيمات والمعارضين للبوليساريو مما حدث خلاله؟

n نتائج المؤتمر، تكرس ما قلناه سابقا، من كونه مؤتمر فضيحة، وعندما وصفناه بذلك لم نكن نزايد. فواحدة من النتائج الكارثية التي تؤكد كوننا أمام تنظيم استبدادي، يعيد تكرار تجربة التنظيمات الفاشية، هو تعيين إبراهيم غالي، المتابع والمطلوب للعدالة الاسبانية بتهم تتعلق بالاغتصاب الجنسي والتعذيب، تعيينه كرئيس لتنظيم جبهة البوليساريو مدى الحياة، حيث قام بتوريث نفسه على رأس التنظيم في وضع كاريكاتيري، يجعل منه ومن هذا التنظيم مجرد أداة لإنتاج الاستبداد والديكتاتورية السياسية داخل المخيمات.

الغريب، أن النشطاء الذين انتقلوا من المغرب للمشاركة في هذه الفضيحة، والذين يقدمون أنفسهم كأصوات « حقوقية» و»ديمقراطية» بالمغرب وفي المنتديات الدولية، كانوا جزءا من هذه الفضيحة وأظهرتهم، في مشهد مؤسف، المشاهد التي نقلتها بعض الفيديوهات كجزء من المصفقين والمزكين لهذا الوضع الموغل في الديكتاتورية، مما يجعلهم آخر من يتشدق بالشعارات البراقة التي يرفعونها هنا ويدوسون عليها هناك تحت تصفيقاتهم وبمباركة منهم، ويسقط عنهم كل أوراق التوت ويجعلهم عراة أمام العالم وأمام الحركة الحقوقية و الديمقراطية بالعالم، كما أن واحدا من الأمور التي تم الإعلان عنها، قرار نقل البنايات المتعلقة بتنظيم الجبهة إلى تيفاريتي، وهو قرار، وإن كان مجرد ورقة سياسية لإسكات الأصوات المعارضة لهم في المخيمات، في ظل تكلس التنظيم ووفاته العملية خاصة السياسية، فهو أراد أن يقدم شيئا كنتائج للمؤتمر الفضيحة ليغطي على حجم الغياب الأوروبي والدولي عن المشاركة في الجلسة الافتتاحية، وللمقاطعة الواسعة لأشغاله المتحكم فيها سلفا، ليلعب عليها في إطار البروبكندا الإعلامية التي يتقنها، مع العلم أن هذا القرار رغم عدم جديته، فالمغرب عليه أن يثير انتباه الأمم المتحدة له، ولكل الأعمال التي سبق أن صنفتها الأمم المتحدة بالأعمال العدائية، وأن يحملها كامل المسؤولية في أي تطور قد يعيد المنطقة لنقطة الصفر، سيخدم فقط التنظيمات الإرهابية والمنظمات الإجرامية العابرة للقارات والدول، حيث، لولا اليقظة المغربية ويقظة أجهزته الأمنية التي تقوم بضرباتها الاستباقية وتجهض العمليات الكبيرة التي كانوا ينوون القيام بها، لأغرقوا المنطقة بالمخدرات و الأسلحة والعناصر المتطرفة،كما أن المؤتمر نظرا لارتباطه العضوي بالعسكر الجزائري بمجرد وفاة القايد صالح، أعلنوا عن تمديده ل 48 ساعة، انتظارا للتعليمات الجديدة التي ستأتي من الغرفة السوداء التي تتحكم فيهم من الجزائر، وللترتيبات الجديدة ومن الاسم الذي سيخلف الراحل، الذي لم يكن سوى الجنرال سعيد شنقريحة ذي المواقف العدائية للمغرب ولوحدته الوطنية.

o يحدث هذا بتزامن مع تصاعد الأصوات المعارضة للبوليساريو داخل المخيمات والتي تواجه بالعنف والتنكيل …لماذا هذا الصمت خصوصا من قبل منظمات حقوقية دولية تجاه ما يحدث بالمخيمات من اختطاف واعتقال وتعذيب ومنع من السفر؟؟

n ارتفاع الأصوات المعارضة داخل المخيمات الرافضة للوضع القائم، ما هو إلا انتصار أولا لإرادة جيل من الشباب و قبله لجيل من رواد المناضلين الصحراويين بالمخيمات الذين تحدوا الخوف والحصار الكبير الذي فرض عليهم لقمعهم، وقمع كل الأصوات الحرة. الرهان الآن على هذه الأصوات المناضلة داخل المخيمات من الشباب ومن التنظيمات والتيارات التي تشكلت من خارج تنظيم البوليساريو، معلنة عن ميلاد مشاريع سياسية أخرى، بديلة، تطمح لتكون المعبر الحقيقي عن المتغيرات التي شهدتها المخيمات ديموغرافيا و سياسيا، داخل جيل من الشباب الذي تشكل وعيه في هذه المرحلة، مرحلة اللاحرب واللاسلم، وهو الجيل الذي يضغط اليوم بقوة لإسماع صوته، ويضحي بحريته وحياته من أجل أن يتمتع بفضاء أرحب للتعبير الحر، وما مصير النشطاء الثلاثة الذين أشرنا إليهم سابقا، إلا مثال على كيفية تعاطي قيادة الجبهة مع كل الأصوات الرافضة لها والطموحة لإنهاء النزاع.

لذلك ما يهم اليوم قبل الحديث عن مسؤولية المنظمات الحقوقية، هو الانتباه لاتساع دائرة الوعي الجماعي داخل الشباب بأهمية مواجهتهم للوضع القائم، وفضح الانتهاكات الحقوقية التي تتم، إذ أن ذلك ساهم في فضح قيادة الجبهة وممارساتها الاستبدادية، كما أدى إلى التوصل لمعرفة أسماء ضحاياها منذ تأسيس المخيمات إلى الآن، حيث تم إحصاء أكثر من خمسمئة ضحية يوجد بينهم أكثر من مئتين من مجهولي المصير، عائلاتهم إلى اليوم لم تتلق أي جواب عن مصير فلذات أكبادهم، أولهم حالة «الخليل أحمد» المختفي منذ أكثر من عشر سنوات، فهذه الأسر اليوم أصبحت تعلن و تناضل من أجل معرفة الحقيقة والكشف عن مصير الضحايا ممن قضوا في سجن الرشيد و الذهيبية، بل مؤخرا تم التعرف على مقبرة جماعية بمخيم السمارة، دفن فيها ضحايا البوليساريو ممن قضوا في سجن الرشيد والذهيبية، وهي معتقلات للإشارة حسب شهادات موثقة لمن مر من سجن الرشيد السيء الذكر، عبارة عن «قبر» يوضع في كل واحد منه معتقل ولا يخرج منه، منهم و على رأسهم «المحجوب السالك» الذي قضى في قبر أكثر من 15 سنة، إن قيادة تضع معارضيها في قبور بمنطقة كالمخيمات تعرف درجات حرارة جد مرتفعة، و أخرى جد منخفضة، وتنكل بمعارضيها بهذا الشكل، هي ساقطة أخلاقيا وسياسيا.

طبعا المنظمات الدولية اليوم و بكل وضوح، لا يمكن الرهان على أغلبها للضغط قصد تحسين وضعية المخيمات وإنهاء الانتهاكات الحقوقية هناك، لأن أغلبها للأسف مخترق من طرف لوبيات مالية وسياسية مستفيدة من الوضع الحالي، ومن حالة الجمود التي تعرفها المنطقة، يمكن الاستدلال على ذلك بتقاريرها المحابية للبوليساريو والمتسترة على الانتهاكات الحقوقية، ،إنه لمن المؤسف أن تصل فيه منظمات حقوقية دولية إلى هذا الوضع المنحاز، وتبنيها لمواقف سياسية ك»تقرير المصير» محاولة إضفاء طابع حقوقي عليها ضدا فقط في المغرب، ومحاباة للبوليساريو و لمن يقف وراءها.

هذا الوضع يفرض على النشطاء هنا من أبناء المنطقة أن يحرجوا هذه المنظمات بمراسلتها كلما تعلق الأمر بتقرير مغلوط في حق المنطقة، خاصة الأقاليم الجنوبية الصحراوية، لا يقدم الحقيقة الحقوقية داخل المخيمات، كما أن المجتمع المدني الصحراوي المحلي الذي برز مؤخرا، بشكل موازي للجمعيات الموالية للبوليساريو، عليه أن يستمر في عمله في كتابة التقارير عن الوضع الحقوقي العام بالمخيمات والترافع بمجلس حقوق الإنسان بشكل عقلاني ومهني، مما سيجعله مع الوقت مرجعا أمميا و دوليا في هذا الموضوع نظرا للمصداقية التي سيكتسبها.

علاقة بالسؤال كذلك، من يجب أن يسأل اليوم ليس التنظيمات الدولية فقط، بل تلك التنظيمات الموالية للبوليساريو والتي تتحرك بحرية في الأقاليم الجنوبية، تحت يافطة حقوق الإنسان، ولم يسجل لها موقف مناهض للجرائم الحقوقية التي تحدث بالمخيمات، ولم نسمع لها صوتا منتقدا للوضع الحقوقي هناك، بل في أحيان كثيرة تلعب تلك المنظمات دور الشريك في هذه الجرائم بسبب تغطيتهم عليها وتبريرهم لها ولكل الخروقات التي تحدث على مسمعهم. هنا لابد من طرح السؤال حول ما الذي تمثله جبهة البوليساريو؟ ألا يجب مراعاة هذه المتغيرات السياسية والتنظيمية من طرف الأمم المتحدة التي أصبحت تطالب بأن تكون جزءا من الحل السياسي وبديلة عن المشروع المفلس للبوليساريو؟

المخيمات تعيش اليوم تحت وقع انتهاكات بالجملة، انتهاكات لمختلف الحقوق الأساسية خاصة منها الحق في الحياة، التعبير، التنقل، العمل، الصحة، إلى جانب الحقوق الأخرى، ويبقى أهم حق لساكنة المخيمات، مادامت الأمم المتحدة تصنفهم كلاجئين، هو حقهم في الإحصاء وفي الحصول على بطاقة لاجئ المحرومين بها بقرار جزائري، هنا تطرح مسؤولية الدولة الجزائرية أمام المجتمع الدولي من باب القانون الدولي لحقوق الإنسان، فهي من تتحمل المسؤولية القانونية والجنائية بموجب اتفاقيات جنيف الأربع المعنية بحماية اللاجئين، على كل الخروقات الإنسانية التي تحدث، وعلى عمليات التقتيل التي تمت والتعذيب التي حدثت مؤخرا، والاعتقال خارج إطار القانون الدولي وغيرها من الانتهاكات للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية باعتبارها دولة لجوء.

o على الصعيد الدولي، نلاحظ تآكلا مستمرا للأطروحة الانفصالية، بسحب العديد من الدول اعترافها بالجمهورية الوهمية، ما هو العدد الحقيقي الآن للدول التي تعترف بهذا الكيان ووزنها على الساحة الدولية؟

n مع ظهور النزاع المفتعل حول الصحراء نظرا لحالة الحرب الباردة والوضع السياسي الداخلي بالمغرب، كان هناك حوالي 73 دولة تعترف بما يسمى «بالجمهورية العربية الصحراوية»، أغلب هذه الاعترافات كانت بسبب صورة المغرب في الثمانينات على الصعيد الخارجي وليس اقتناعا بالبوليساريو ككيان وهمي، إذ أن اغلبها جاء كرد فعل على وضع مغربي داخلي كان قائما، و تأثيرات المعسكر الشرقي في المنطقة، ومع الانفراج السياسي الذي شهده المغرب وقبله انهيار المعسكر الشرقي وسقوط جدار برلين، كل ذلك ساعد على أن يسترجع المغرب مكانته الدولية تدريجيا ويسقط كل الدعايات التي كانت تستهدفه في وحدته الترابية، لتكون تجربة الانتقال الديمقراطي ووصول الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، كرمز للمعارضة الوطنية المغربية، الذي لعبت شخصيته وعلاقاته الدولية دورا كبيرا في دفع العديد من البلدان إلى تغيير مواقفها السياسية نحو المغرب وتجاه وحدته الوطنية. هذه الصورة تعززت فيما بعد باعتلاء الملك محمد السادس للحكم، كملك شاب سنة 1999 مما أعطى زخما كبيرا للدبلوماسية المغربية وللديناميات المتعددة التي خلقها وخلقتها اختيارات المغرب الإصلاحية، خاصة الحقوقية والسياسية منها، كل ذلك توج باقتراح مغربي لمبادرة الحكم الذاتي الذي أعطت مضامينه مصداقية كبيرة، ليس فقط للمقترح نفسه، بل للمغرب كبلد يهدف إلى ضمان العيش المشترك مع إخواننا من ساكنة المخيمات، وأظهره بمظهر البلد الجدي الطامح للمضي قدما نحو المستقبل الجماعي، الطامح لإنهاء معاناة ساكنة المخيمات، أضف إلى ذلك ما قام به الملك شخصيا من دور دبلوماسي من خلال مراجعة الاختيارات الخارجية للمغرب على مستوى علاقاته الدولية، حيث عمد إلى تنويع شراكاته السياسية

والاقتصادية، وكان حضور الملك الشخصي فيها مؤثرا بشكل إيجابي مسلحا بالإصلاحات العميقة التي قام بها المغرب، وصولا لاسترجاع المغرب مكانته و دوره، مقعده في الاتحاد الأفريقي وتحوله لصوت شعوب أفريقيا والمرافع عنها و عن مصالحها خارجيا.

كل هذا الزخم السياسي، الحقوقي والدبلوماسي ساهم في إضفاء الكثير من المصداقية على المغرب وانعكس بشكل إيجابي على مواقف الكثير من الدول في علاقتها بالقضية الوطنية لتنطلق دينامية سحب الاعترافات من الكيان الوهمي و دعم المسلسل الأممي السياسي على قاعدة الحكم الذاتي كحل وحيد لإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء، حيث وصل عدد الدول التي سحبت اعترافها من الكيان الوهمي لأكثر من 50 دولة، مع الإشارة إلى أن الرقم مرشح للارتفاع خاصة من دول إفريقية ولاتينية، كما أن أغلب الدول التي مازالت تعترف بالكيان الوهمي تعيش اضطرابات سياسية داخلية ولم تعد قادرة على القيام بنفس الأدوار التي كانت تقوم بها سابقا لمعاكسة المغرب والتشويش على وحدته الوطنية بسبب حالة الوهن المؤسساتي التي تعيشها، وضعف تأثيرها الدبلوماسي داخل مجلس الأمن، مع التنبيه إلى أن الدول الخمس الدائمة العضوية «الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، فرنسا، روسيا،بريطانيا» ناهيك عن إسبانيا، لا تعترف بالكيان ولا بالجمهورية الوهمية وداعمة للحل السياسي التوافقي، الواقعي، يكفي الإشارة هنا فقط إلى ميزانية الولايات المتحدة الأمريكية للسنة المقبلة التي خصصت جزءا منها للمساعدات التي تقدمها للأقاليم الصحراوية الجنوبية وستمنحها للمغرب كجهة سيادية وسياسية وإدارية للمنطقة، كما أن الاتفاقيات التي وقعها المغرب مع الاتحاد الأروبي، التي تشمل المياه الإقليمية والمنتجات الفلاحية للمنطقة، هو اعتراف سياسي آخر بسيادة المغرب على هذه الأقاليم، ثم الدينامية التي أصبحت تعيشها الأقاليم الصحراوية في علاقتها بالخارج من البوابة الدبلوماسية، حيث تستقبل سنويا المئات من الوفود الأجنبية للتعرف على حقيقة الوضع ميدانيا والاطلاع بشكل مباشر على التطور التنموي والديمقراطي بالصحراء، وعلى زيف دعاية خصوم المغرب.

o في هذا الإطار، جاء أيضا افتتاح قنصلية لجزر القمر في العيون واستعداد دول أخرى لاتخاذ نفس الخطوة، ما دلالة هذه التحولات في إطار الدينامية التي أشرت إليها؟

n نحن لسنا مطالبين بتفسير فتح قنصليات بالعيون عاصمة الأقاليم الجنوبية «السياسية»، بل نحن أمام اختيار حر، إرادي لدول ولمعطياتها الجيوسياسية التي دفعتها لاتخاذ هذا القرار الدبلوماسي والسياسي، و هو قرار نابع من ثقتها في المغرب، هي بداية لعملية كخطوة في البناء الدبلوماسي ارتباطا بالدول التي تبني علاقات استراتيجية مع المغرب، ولها مكانتها الأممية، والقارية، حيث إن اختيارها لفتح قنصليات بهذه المدينة لم يكن محط صدفة بل جاء نتيجة جهد وعمل دبلوماسيين جديين قادهما المغرب بالتصور الذي حدده الخطاب الملكي للمسيرة الخضراء سنة 2015، الذي يعتبر مرجعيا في هذا الباب، نحن أمام تحصيل حاصل، تحصيل لنتائج اختيارات المغرب الدبلوماسية خارجيا و لتموقعه في الخريطة الدولية كبلد صاعد، قوي، له مكانته وكلمته ومصداقيته التي كسبها جراء وضوح مواقفه ووفائه لأصدقائه وشركائه، واستقلالية قراره الدبلوماسي.

خطوة فتح القنصلية بالعيون لها أهميتها السياسية ووقعها على النزاع ككل، فنحن أمام تحول ستعيشه المنطقة لتتحول بذلك مدينة العيون لعاصمة الأقاليم الجنوبية الصحراوية السياسية والدبلوماسية ومركز ثقل مهم بالصحراء الغربية المغربية، نقطة استقطاب للوفود الدبلوماسية وقنصليات بلدانها، نحن إذن أمام الدخول في منعطف جديد ستعيشه المنطقة على هذا المستوى، ولولا التأهيل الذي شهدته الدبلوماسية المغربية والعمل الكبير الذي تم القيام به لما اقتنعت هذه الدولة، ودول أخرى، التي سيكون لها نفس الاختيار مستقبلا، بفتح قنصلياتها بالعيون، حيث ينتظر على الأقل أربع دول إفريقية قريبا سيكون لها نفس موقف جزر القمر، اقتناعا منها بكون المغرب أصبح الممر الآمن من وإلى أفريقيا و الرابط بينها وبين أوروبا خاصة مع ما تشهده من حركية تجارية برية نشطة، آمنة.

ولمعرفة قوة قرار فتح القنصليات بمدينة العيون، يكفي الانتباه لرد فعل الجزائر حتى يتأكد لنا أن ما يزعج الخصوم هو ما نحققه على الأرض، ميدانيا، وما نبنيه بخطوات ثابتة، ليس نحو تكريس الأمر الواقع كما ذهب لذلك موقف الجزائر، لكن ما نتجه به نحو المستقبل وفي قلبه سكان الأقاليم الصحراوية وساكنة المخيمات، التي كلما شاهدت وتابعت ما يتحقق من جهد وعمل في الصحراء، إلا و أصبحت أكثر اقتناعا من ذي قبل بضرورة عودتها الفورية للمغرب وهو أكثر ما يخيف خصوم المغرب، هنا لابد من طرح سؤال، اذا كانت الجزائر تعتبر نفسها غير معنية بالملف وأنها فقط تتبنى موقفا «مبدئيا» من النزاع ومن «حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره»، فموقفها المتسرع للتعبيرعن رفضها لفتح القنصلية بالعيون من طرف دولة جزر القمر، يؤكد أنها طرف أساسي ورئيسي في النزاع، على عكس ما تدعيه، فهي المعنية الأولى بالنزاع وبديمومته وموقفها هذا يزكي كل الدفوعات المغربية في حق هذا النظام علاقة بالنزاع المفتعل من طرفها حول الصحراء، وأن الجزائر هي المعنية الأولى بالنزاع ، وأن الحل كذلك لن يكون إلا معها، خاصة مع إقرار الأمم المتحدة بهذا المعطى، من خلال ترسيم وضعية المائدة المستديرة الرباعية، والإقراربإقليمية النزاع ومحورية الدور الجزائري.

o إفريقيا وبعد العودة إلى الاتحاد الإفريقي والمبادرات العديدة التي اتخذت بهذا الخصوص، هل استطاع المغرب تطويق الأطروحة الانفصالية وهل سينجح في فرض مسألة جدوى ومصداقية استمرار هذا الكيان كعضو في الاتحاد؟

n قبيل عودة المغرب و استرجاع مقعده بالاتحاد الأفريقي ومكانته التي تليق به داخل أجهزته، فقد سبقتها الرسالة التي رفعها الملك لهذا الغرض، مع توقيع أكثر من 28 دولة من دول الاتحاد الأفريقي لبيان يعلنون فيه عن دعمهم للمغرب وعن جدوى استمرار الكيان الوهمي في الاتحاد الأفريقي. لذلك فعودة المغرب كانت حاجة إفريقية قبل أن تكون مغربية، سبقها وعي جماعي لدى أغلبية الدول الإفريقية بأهمية وراهنية أن يكون المغرب ضمن أجهزة الاتحاد الإفريقي، لأنه لم يغب يوما عن إفريقيا وعن دولها، فقد كان له إسهام كبير في حفظ السلام من خلال مشاركته ضمن بعثات السلام الأممية، كما أن له استثمارات مهمة بالعديد من البلدان في مجالات مختلفة بنكية، اتصالات، تجارية…لذلك فالمغرب لم يكن غائبا عن أفريقيا، بل انسحب من الاتحاد الافريقي في ظل سياق إقليمي ودولي معلومين، ما زكى استعجالية عودته هو تحول الاتحاد الأفريقي إلى إطار جامد غير قادر على تحقيق الأمن، السلم و الديمقراطية، ورغبة الكثير من الدول الافريقية إلى من يحدث التوازن المطلوب، لذلك مباشرة بعد عودة المغرب والاستقبال الكبير الذي خصص للملك في مؤتمر الاتحاد الأفريقي والكلمة المرجعية التي ألقاها فقد تم إحداث دينامية وبث روح جديدة داخل الاتحاد الافريقي، خاصة مع تأكيده أن استرجاعه لمقعده لن يكون إلا بهدف تعزيز التنمية بالقارة وجعل طموح شعوبها في قلب اهتمام وجدول أعماله، و هو ما انعكس إيجابا على موقع المغرب بالاتحاد الافريقي، حيث ازداد حجم التأييد له و قلل من فرص أن تستمر البوليساريو في استغلال غياب المغرب لاستصدار قرارات إفريقية تعاكس وحدة المغرب.

لذلك كمرحلة أولى، المغرب قام في سرعة قياسية بتجميد مختلف القرارات السابقة المناهضة لوحدته الترابية، بعدها دفع إلى استصدار موقف واضح من أجهزة الاتحاد الإفريقي يؤكد على اختصاص حصري للأمم المتحدة لمناقشة النزاع والحل السياسي للنزاع، وأنه داعم لهذا المسار السياسي الذي انتهى باعتماد الحل المقاربة التي قدمها المغرب متمثلة في الحكم الذاتي، وهو موقف لم يكن من السهل اتخاذه لولا الحملة الدبلوماسية التي قام بها بشكل شخصي الملك و زوده بكل ثقله، أضف إلى ذلك، العمل الجاد والمسؤول الذي تم القيام به على مستوى الدبلوماسية المغربية إفريقيا رسميا وشعبيا، وهي مواقف لا يمكن استصغارها لأنها اتخذت في ظرف وجيز، ولأنها كذلك دفعت الاتحاد الأفريقي إلى أن يأخذ موقعه الطبيعي من النزاع ومن أطرافه، خاصة الجزائر، التي رغم كل ما أنفقته من أموال و بذلته من جهد دبلوماسي لم تستطع كبح هذه الدينامية المتصاعدة إفريقيا.

نحن نعيش على إيقاع تراكم ايجابي ومكتسبات سياسية تتحقق مرتبطة بما أنجزه المغرب أفريقيا وما حققه من نتائج تماشيا مع هدف استرجاع مقعده بالاتحاد الافريقي، ما يجب طرحه مستقبلا هو سؤال سياسي ومؤسساتي على الدول المنضوية تحت لواء هذا التكتل القاري: هل يجب أن يظل في عضوية الاتحاد الافريقي كيان غير معترف به أمميا أي أنه ليس من دول الأمم المتحدة، ثم تواجد كيان وهمي بالاتحاد الإفريقي ألا يجعله في تناقض مع موقفه الداعم للمسلسل الأممي لإنهاء النزاع؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستؤدي إلى استصدار قرار افريقي يرمي إلى تجميد عضوية تنظيم البوليساريو به لحين إنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء، وهو القرار الذي سيجعل الاتحاد الإفريقي منسجما مع الأمم المتحدة التي تتعامل مع البوليساريو كتنظيم وليس كدولة، ومع قرار الاتحاد نفسه بدعم الحل والمسار الأممي، ولنصل لهذه النقطة سنحتاج للكثير من العمل الدبلوماسي، ومن الترافع بمناهج مستندة على القانون والشرعية الدوليتين، وبالكثير من الصبر، لأن خصوم المغرب هم أيضا يحاولون محاصرة المغرب، لكن الفرق بين الأمس واليوم، هو أننا نتواجد حاليا في قلب الاتحاد الإفريقي وليس خارجه، و هو ما يؤكد أن سياسة المقعد الفارغ لم ولن تكون لصالح المغرب ولا داعمة لوجهة نظره السياسية، بل إن الفراغ يستغل ضدنا لأنه يجعل الآخرين يستمعون لأطروحة وحيدة كلها مغالطات للتاريخ وتشويها له، وهو ما تم تجاوزه بالاختيارات الدبلوماسية والسياسية الجديدة، وتأكد من خلال النتائج الإيجابية التي تحققت إلى اليوم.

 

09/01/2020