أمام هذا التحول من ممارسة العمل الحقوقي إلى ممارسة العمل السياسي الممنوع بحكم القانون(..)، كان من الطبيعي أن تتحرك المساطر القضائية، والبداية (هي مجرد بداية)، كانت عبر بلاغ صدر عن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالعيون، أكد فيه، يوم الثلاثاء المنصرم، فتح بحث قضائي في الموضوع، وجاء في البلاغ الذي عممه وكيل الملك على الرأي العام، أنه ((تبعا للأخبار المتداولة بشأن انعقاد ما سمي بالمؤتمر التأسيسي لـ”الهيئة الصحراوية لمناهضة الاحتلال المغربي”، وبالنظر لما يشكله العمل المذكور من مساس بالوحدة الترابية للمملكة، وما تضمنه من دعوات تحريضية صريحة على ارتكاب أفعال مخالفة للقانون الجنائي، فقد أمرت النيابة العامة بفتح بحث قضائي في الموضوع، سيترتب عنه اتخاذ الإجراءات القانونية الملائمة لحماية النظام العام وترتيب الجزاء القانوني على المساس بالوحدة الترابية للمملكة، بما يحقق الردع العام والخاص لضمان حماية المقدسات الوطنية)).

هكذا إذن، جاء بلاغ الوكيل العام للملك واضحا من حيث ضرورة إعمال مقتضيات الردع العام لوقف تحركات من هذا النوع، وأي استفزاز لمشاعر الشعب المغربي، أكثر من هذا الاستفزاز، حيث تأتي أميناتو حيدر، المدعومة بآلة إعلامية دولية، لتعلن عن تأسيس حزب لمناهضة ما سمته “الاحتلال المغربي”، فالواقع، أن المعنية بالأمر كانت من بين المستفيدين من تعويضات هيئة “الإنصاف والمصالحة”، وامتيازات أخرى.. فعن أي احتلال تتحدث؟

الواقع، أن أميناتو حيدر ومجموعتها، التي تحركت لتأسيس فرع سياسي للبوليساريو في مدينة العيون، لا تتحرك من تلقاء نفسها، وقد عملت على تأسيس إطار “الكوديسا” بناءا على تعليمات منظمات أجنبية، والمنظمة المقصودة هنا هي “مؤسسة روبرت كندي لحقوق الإنسان”، وهو اعتراف جاء على لسان أميناتو نفسها، حيث قالت في بلاغ حل “الكوديسا”، وهو بلاغ وقعته بنفسها، ما يلي: ((انطلق الاشتغال في إطار تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان، المعروف اختصارا بتجميع الأحرف اللاتينية الأولى بمختصر “كوديسا”، بداية من العقد الأول للقرن الحالي، حيث ارتبط تشكيل الهيكلة بالدعوة التي وجهتها مؤسسة روبرت كيندي لحقوق الإنسان للمدافعة الصحراوية عن حقوق الإنسان، السيدة أميناتو حيدر، لتسليمها جائزة روبرت كيندي لحقوق الإنسان بمقر المؤسسة بواشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ نونبر 2008، وقد التقت إرادة الرفاق في اختيار رفيقتهم أميناتو حيدر على رأس المكتب التنفيذي للكوديسا، والذي يعتبر الهيئة التقريرية الوحيدة بالتجمع، والمتكون أصلا من 12 عضوا واصلوا رصد وتقديم التقارير عن أوضاع حقوق الإنسان بالصحراء الغربية قبل فقدان رفيقنا العزيز، محمد فاضل كاودي، رحمة الله عليه، سنة 2017، ليتبقى فقط 11 عضوا في المكتب التنفيذي)) (المصدر: بلاغ حل الكوديسا / صادر بتاريخ 3 شتنبر 2020).

ومعلوم أن “مركز روبرت كندي” قد تحول في السنوات الأخيرة إلى آلة في يد أنصار البوليساريو، بل إن أغلب بلاغات المركز، هي تقارير تصب بالأساس في انتقاد الوضع الحقوقي في المغرب، والسبب معروف (في قصاصات الصحف) هو محاولة دفع المجتمع الدولي إلى توسيع صلاحيات “المينورسو” لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في المرحلة الأولى، وبعدها ينطلق التأطير حتى تجد الدعوات الانفصالية مرتعا خصبا لها(..)، فقد ((تحولت مؤسسة روبرت كيندي إلى أكبر لوبي لصالح البوليساريو في الكونغريس الأمريكي تشدد على ضرورة مراقبة المينورسو لحقوق الإنسان، وفي هذا الصدد، أكد مركز روبرت كيندي لحقوق الإنسان، أنه تقدم بتقرير إلى أعضاء الكونغريس الأمريكي يطلب منهم دعم توصية مراقبة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الصحراء الغربية.. ويحمل المركز اسم روبرت كيندي، وهو شقيق الرئيس الأمريكي جون كيندي، الذي كان قد تولى وزارة العدل وتعرض للاغتيال سنة 1968..)) (المصدر: القدس العربي/ 28 شتنبر 2012).

هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون، فإن هذا المركز هو الذي لعب دورا محوريا في تأليب المجتمع الدولي ضد المغرب، عبر جر منظمات دولية أخرى لنفس الخندق، كما هو الحال بالنسبة لمنظمة “أمنيستي أنترناسيونال”، ما يعني أن اللعبة ليست مجرد تقارير فقط، بل هي عملية مركبة، وقد سبق لـ”الأسبوع” أن فضحت اجتماعا كبيرا عقد بتاريخ 23 مارس 2016، داخل الكنغريس الأمريكي، وكان محوره هو الإساءة للمغرب، فقد ((اجتمعت لجنة “طوم لانطوس” (TOM LANTOS) التابعة للكونغريس الأمريكي، والمتخصصة في حقوق الإنسان، لمناقشة التقرير الذي أعدته الخارجية الأمريكية بناء على تقريرين مسيئين لـ”هيومان رايتس ووتش”، ومنظمة “أمنيستي أنتيرناسيونال”، خلال هذا الاجتماع، تحدثت كيري كيندي، المساندة للبوليساريو ورئيسة “مركز روبرت كيندي”، والتي تقدم نفسها كشاهدة على انتهاكات حقوق الإنسان من طرف المغرب، حيث صادرت حق المغاربة في التعبير عن رأيهم ضد الاستفزازات الصادرة على لسان الأمين العام السابق للأمم المتحدة، معتبرة أنه ليس من حق المغاربة التظاهر ضد من وصفهم بالمحتلين، كما اعتبرت في مقاربة غير منطقية، أن الوضع في البوليساريو شبيه بوضع دولة الكويت عند اجتياحها من طرف قوات صدام حسين..)) (المصدر: أرشيف الأسبوع).

هكذا إذن، تتحرك الأجندات الأجنبية، والأكيد أن أصحاب الأجندة هم الذين أمروا بتأسيس “هيئة أميناتو”، لا سيما وأن “الكوديسا” لم يتم حلها، ففي إطار تقسيم الأدوار، أصدر بقية الأعضاء الذين ادعوا أنهم على خلاف مع أميناتو حيدر، بلاغا أكدوا فيه الاستمرارية، ما يعني أن الأمر كله لا يتعدى كونه تقسيم أدوار من حيث النتيجة(..)، حيث أكد الباقون من أعضاء “الكوديسا” في بيان لهم، أن ((تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان CODESA، منظمة حقوقية صحراوية جماهيرية مستقلة وبهوية تقدمية، وليست ملكية فردية، ولا تتأثر بأي نزعة ذاتية، بل هي إرث تاريخي وكفاحي جماعي ومشترك، يجسد تضحيات شهداء ومختطفين ومعتقلين سياسيين وضحايا التعذيب.. ويشددون على أن تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان، لا يمكن أبدا اختزاله تعسفا في صيغة المكتب التنفيذي كآلية تنظيمية مؤقتة أملتها ظروف استثنائية، ترتبت عن مصادرة ومنع الاحتلال المغربي لمؤتمره التأسيسي الأول، الذي كان يعتزم عقده بمدينة العيون المحتلة سنة 2007 بمشاركة 141 مؤتمرة ومؤتمرا، هم أعضاء في التجمع إلى الآن)).

تصوروا هؤلاء الذين يعيشون بيننا، يكتبون بلاغات من هذا النوع(..)، هل يمكن السماح بهذا الأمر في أمريكا أو في فرنسا أو في إسبانيا؟ أليس خرق قانون الأحزاب مبررا لتحريك مسطرة المتابعة؟ كيف يعقل أن يتم وصف المغاربة بالمحتلين بينما يتجول الانفصاليون بكل حرية فوق التراب الوطني؟ ألا يعني ذلك أن المغرب يجني ثمار التساهل(..)؟

وها هي من تسمي نفسها “الهيئة الصحراوية” تقول إن ((وسائل الإعلام المغربية شنت حملة تحريضية شوفينية ضد الهيئة منذ تأسيسها يوم 20 شتنبر الماضي بمدينة العيون المحتلة))، ودعت في بيان لها المجتمع الدولي إلى ((التدخل لمنع المزيد من تدهور أوضاع حقوق الإنسان بالصحراء الغربية))، محذرة من ((نتائج حملة التصعيد ضد المناضلين الصحراويين المناهضين للاحتلال المغربي، خصوصا وأنها بدأت تأخذ منحى التحضير لعمليات اعتقال في صفوفهم)).. ويأتي ذلك بالتزامن مع حشد الشاحنات بالصحراويين وغير الصحراويين لجلبهم إلى معبر “الكركرات”، للقيام بعرقلة الشاحنات التجارية، واستفزاز الجيش المغربي الذي يستمر في ضبط النفس أمام التحركات المريبة(..).

سعيد الريحاني

02/10/2020