دخل المغرب مرحلة حاسمة في صراعه مع البوليساريو بعد"عملية الكركرات"، فبعد أربع سنوات من عمليات الاستفزاز وأعمال العصابات على مستوى هذا الممر الدولي والاستراتيجي، اضطر المغرب بكل حزم، وبعدما بلغ السيل الزبي، إلى تطهير المنطقة من مليشيات البوليساريو في عملية نوعية بكل المقاييس. بيان الجيش المغربي أشار إلى أن "الممر أصبح مؤمنا بشكل كامل من خلال إقامة حزام أمني، يؤمن تدفق السلع والأفراد عبر الممر الذي يربط بين المركزين الحدوديين".

لقد أدخلت أحداث الكركرات ملف الصحراء المغربية منعطفا جديدا في تدبير النزاع، منعطف عبر عنه بكل وضوح وصراحة العاهل المغربي في اتصال هاتفي مع الأمين العام للأمم المتحدة، مؤكدا أن "المملكة عازمة تمام العزم على الرد، بأكبر قدر من الصرامة، وفي إطار الدفاع الشرعي، على أي تهديد لأمنها وطمأنينة مواطنيها"

هو خطاب موجه بطبيعة الحال إلى الأمين العام، بصفته الساهر على تطبيق القانون الدولي، لكن المعني الأول بهذا الخطاب، هي الجارة الجزائر، التي مافتئت تلعب بالنار في المنطقة، وتهدد بإشعال الحرب في ظروف حرجة يمر منها العالم بأسره. هو خطاب موجه بالدرجة الثانية إلى قادة مليشيات البوليساريو، مفاده نهاية فترة اتسمت بضبط النفس، وبداية أخرى ستكون سمتها البارزة الحزم والصرامة في التعامل. هناك سؤال محوري يفرض نفسه في خضم هذا السياق:هل سيضطر المغرب إلى ضرب البوليساريو في العمق الجزائري بعدما أعلنت البوليساريو رسميا بدأ الحرب؟

تقديم عناصر الجواب عن هذا السؤال يتوقف حول مدى تهور الجزائر في إدارة الأزمة. فإذا ما اكتفى جنرالات الجزائر بإزعاج المغرب، عبر الزج بمليشيات البوليساريو ومرتزقتها بشن حرب عصابات على طول المنطقة العازلة، كما وقع على مستوى المحبس عقب عملية الكركرات، ، فلن يضطر المغرب بالتأكيد إلى نقل المعركة إلى داخل التراب الجزائري، لسبب بسيط، هو أن سياسة المملكة المغربية، المشهود لها بذلك داخل أروقة الأمم المتحدة، تنبني أساسا على الالتزام بأعلى درجات ضبط النفس في تدبير العلاقات الدولية، خيار يبقى رهينا بأمد التحرشات وسياقها، عندها سيكون عامل الوقت حاسما. .

لكن، إذا ما شكل التراب الجزائري، ونعني هنا منطقة تندوف، نقطة انطلاق العمليات العسكرية، خاصة الأسلحة الثقيلة والصواريخ متوسطة المدى، فلن تكون هناك ذرة شك، أن المملكة سترد بكل حزم وصرامة على الاستفزاز الجزائري، الذي ربما يهدف إلى جر المغرب نحو حرب كلاسيكية. من البديهي أن يضطر المغرب في هذه الحالة إلى تبني النموذج التركي الذي يرتكز أساسا على تتبع حركات الانفصال خارج التراب التركي، حتى ولو أدى الأمر إلى خرق سيادة الدول، المعترف به دوليا كإجراء قانوني وشرعي.

وإذا كان النموذج التركي قد أعطى أكله في محيطه الإقليمي للحد من حركات الانفصال، رغم ما خلفه من مآسي ودمار، فإن اعتماده في المنطقة المغاربية، في ظل التوازن العسكري بين المغرب والجزائر، سيؤدي لا محالة إلى كارثة إقليمية حقيقية، لن تدفع شعوب الدول المغاربية فاتورتها باهظة فحسب، بل سيقتسم معنا الجيران في الشمال ويلات هذه الحرب المدمرة، كما أن الوضعية في منطقة الساحل والصحراء ستسير نحو المزيد من التأزم من خلال إعطاء دفعة قوية للإرهاب والجريمة المنظمة، وبالتالي خلق وتكريس دول فاشلة بالمنطقة. الأجيال القادمة ستدفع أيضا الثمن غاليا، عندما تستنزف الثروات الطبيعية، وتتقل كاهل الدول بالديون من أجل تمويل الحروب. فكيف السبيل إلى تجنب هذا السيناريو الكارثي ؟

لا يجب التعويل نهائيا على عقيدة عسكرية جامدة منذ عقود، وتحكم القبضة على البلاد والعباد، لتجنب هذا السيناريو، فهل يعقل أن يستعرض جنرالات الجزائر قدرات الجيش أياما قليلة بعيد أحداث الكركرات؟ وهل يعقل أن يلبس رئيس الأركان، جلباب رئيس الدولة الغائب عن البلاد، ليتحدث عن هيمنة الجزائر وريادتها في المنطقة في مجالات عدة، خاصة في المجال العسكري عندما صرح بأن بلاده تتبوأ المرتبة الأولى عسكريا. لذلك فالرهان على اللذين يديرون بشكل فعلي مقاليد الحكم في الجزائر، ويقررون السلم والحرب، من أجل حلحلة الوضع، وتجنيب المنطقة ويلات الحرب، هو رهان خاسر.

كما أن رهان المنتظم الدولي على صناع القرار بالمملكة المغربية فقط من أجل تفادي الأسوأ، لم يعد كذلك ممكنا، بعد اتصال العاهل المغربي بالأمين العام للأمم المتحدة. فتمادي الخصوم في معاكسة الوحدة الترابية للمملكة، وعرقلة التجارة الدولية التي تشكل شريان الحياة بين المغرب ودول إفريقيا، وكذا استفزاز الملايين من المغاربة في مشاعرهم التي تفيض تعلقا بكل حبة من رمال الصحراء، وتفيض حبا لكل الجنود البواسل المرابطين على طول الحدود، لم يعد يسمح بمزيد من التساهل، والذي في النهاية لن يؤدي سوى إلى المزيد من التمادي والتهور.

الرهان الحقيقي سيكون على مدى درجة وعي المنتظم الدولي بخطورة الأوضاع، فتداعيات الحرب لن تشمل المغرب والجزائر فحسب، بل تتعداه إلى أبعد من ذلك. فإذا كانت بعض القوى الدولية تستفيد من إطالة أمد الحرب من الناحية الجيواستراتيجية، فإن مآل الصراع قد يخرج عن السيطرة. كما أن بعض القوى الدولية خاصة الأوربية منها، رغم يقينها بالدور المحوري الذي تقوم به الجزائر في تغذية الصراع بالصحراء، والتداعيات المحتملة على أمنها القومي، فهي عاجزة عن التأثير في كبح جماح جنرالات الجزائر في الهيمنة على المنطقة عبر ملف الصحراء المغربية.

بأسف عميق، في الوقت الذي ينشغل العالم ويتحد جنبا إلى جنب من أجل إيجاد اللقاح الفعال، وبرمجة حلول عاجلة لتداعيات الوباء الفتاك اقتصاديا واجتماعيا، تكرس الجزائر عداءها الممنهج للوحدة الترابية للمغرب حتى في أحلك الأزمات. هو واقع يجب التسليم به والتكيف معه. أعتقد جازما أن الأوضاع الجديدة التي أفرزتها أحداث الكركرات، وبالموازاة مع الصرامة والحزم التي عملت المملكة على تنزيلها على الأرض، هناك اجراءت حازمة وصارمة يتعين الاستمرار في تنزيلها كذلك على المستوى الدبلوماسي، وإلى أبعد الحدود. .

 

د.الكشرادي رشيد أستاذ باحث

جامعة القاضي عياض، مراكش

 

 

 

01/12/2020