القانون الدولي في الصحراء الغربية تجاوز مخطط الاستفتاء

صحيح أن القانون الدولي لا يمكن لدولة بعينها أن تقره، إلخ، لكن هناك شيء آخر في القانون الدولي وهو القانون الدولي العرفي والمبني على اتساق الممارسة (consistency of practice). وماذا نسنتج من القانون العرفي واتساق الممارسة؟

نستنتج أن مجلس الأمن، أهم هيأة في الأمم المتحدة، لم تعد تذكر الاستفتاء منذ اعتماد القرار 1754 عام 2007. كما أن هذا المفهوم غائب تماماً في كل القرارات المعتمدة من ذلك الحين، باستثناء حينما يتم الاشارة إلى صفة بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء.

ومنذ 13 عام، يشير مبدأ اتساق الممارسة الذي يبنى عليه القانون الدولي العرفي أنه من منظور مجلس الأمن، فإن الحل لن يتأتى إلا عن طريق المفاوضات والتوصل لحل سياسي مقبول من الطرفين. عبارة مفهوم من الطرفين كافية لتظهر بأن الاستفتاء لم يعد مطروحاً.

وقد زك مجلس الأمن هذه الممارسة بشكل أقوى منذ اعتماد القرار 2440 إلى حد الآن. كما أن الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره اشار في الفقرة 77 بشكل واضخ إلى أن أساس الحل السياسي هو القرار 2440 وما تلاه من قرارات.

كما أنه بناءً على مبدأ اتساق الممارسة، فإن مجلس الأمن رحب في القرارات الثلاثة عشر التي اعتمدها منذ 2007 بمخطط الحكم الذاتي المغربي ولم يقم سوى بالأخذ علماً بمخطط البوليساريو، باستثناء عام 2016 حينما أخذا علما بهما معاً دون الترحيب بالمخطط المغربي.

أضف إلى ذلك أنه وبعد قرار الرئيس ترامب، لم تخرج الأمم المتحدة بأي بيان يعارضه أو يرفضه أو يقول أنه يتعارض مع الوضع القانوني للصحراء. أكثر من ذلك أن المتحدث الخاص باسم الأمين العام، قال في تصريحات أدلى بها يوم 10 و11 ديسمبر أن مرجعية النزاع هي القرارين 2440 و2548.

كما أدلى المتحدث باسم الأمين العام بنفس التصريح عقب اجتماع مجلس الأمن ليوم الاثنين الماضي، حيث أكد على أن مرجعية النزاع هي التفاوض تماشياً مع قرار مجلس الأمن. فهو لم يقل أن المرجعية هي قرارات الجمعية العامة أو أن الاستفتاء هو الحل، بل قرارات مجلس الأمن.

كما أن الأمم المتحدة لم تعبر قط عن معارضتها لفتح قنصليات دول أجنبية في الصحراء ولم تقل أنها تتعارض مع الوضع القانوني لهذا الاقليم أو مع القانون الدولي. كما لم تقم أي دولة من أعضاء مجلس الأمن باصدار أي بيانات بهذا الخصوص.

ماذا نستنتج من ذلك؟ نستنتج أنه تماشياً مع مبدأ اتساق الممارسة في القانون الدولي العرفي ومبدأ estoppel (سقوط الحق)، فإن صمت الأمم المتحدة وتأكيد كل من مجلس الأمن والأمانة العامة على أن قرارات مجلس الأمن هي مرجعية حل النزاع، فقد خلق تغير في الوضع القانوني للصحراء.

وبما أن القوانين ليست تابثة وتتغير مع مرور الوقت وظهور ممارسات وظروف أخرى، فلم يعد الوضع القانوني للصحراء كما كان من قبل، أي أن مرجع النزاع لم يعد هو الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية ولا مضامين اتفاق التسوية لعام 1991، بل قرارات مجلس الأمن التي تقرر بشكل ضمني بأهلية مخطط الحكم الذاتي المغربي في مساعدة أطراف النزاع على التوصل لحل سياسي متوافق عليه ومقبول من الطرفين. وحتى السفير الألماني كان واضحاً وقال أن الأمور تغيرت ولم تعد كما كانت قبل 30 سنة.

وحتى يفهم الجميع أن القانون الدولي والقانون الدولي العرفي قابل للتأقلم مع الزمان والمكان، فإن مبدأ الاستفتاء التي تستعمله الجهات الداعمة للبوليساريو لم يعد أساساً للتسوية في وقت من الأوقات إلا بسبب اتساق الممارسة وبعد أن قبل المغرب حلاً للصحراء عن طريق الاستفتاء عام 1965.

فقبل تلك السنة وقبل ظهور البوليساريو بثمان سنوات، لم يكن مبدا الاستفتاء من بين الخيارات المطروحة لانهاء التواجد الاستعماري في الصحراء، بل طلبت الجمعية العام من اسبانيا التفاوض مع المغرب حول الصحراء وسيدي افني.

غير أنه وبسبب حسن نية المغرب وسوء تقديره لنوايا إسبانيا، قبل بأن يكون الحل لنزاع الصحراء عن طريق الاستفتاء، ظناً منه أن الاستفتاء سيكون لصالحه، لأن كان من المفروض أن ينظم عام 1967، إلا أن إسبانيا لم تلتزم بقرارات الجمعية العامة ولا بالتزامها تجاه المغرب.

ومن ذلك الحين، وبسبب اتساق الممارسة، أصبح الحل للنزاع حول الصحراء هو استفتاء تقرير المصير، ولعل ذلك هو ما أدى بمحكمة العدل الدولية إلى رأيها الاستشار عام 1975، والذي يحمال العديد من التناقضات.

بناءً على ما سبق، ومهما حاول البعض الكذب على أنفسهم، فإن الوضع القانوني للصحراء بسبب اتساق ممارسة الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة، اتساق ممارسة يذهب في صالح التوصل لحل سياسي مبني على المخطط المغربي للحكم الذاتي.

 

 الدكتور سمير بنيس

 

 

28/12/2020