المانيا ومسعى استعادة المجد الامبريالي

ألمانيا بلد حديث أوروبيا ،وقد استفاق مؤخرا بعد تحقيق وحدته على عهد "بيسمارك" ليجد الخريطة الامبريالية الاستعمارية تكاذ تخلو من مناطق نفوذ ، لذا فهي دخلت صراع النفوذ بشراسة قبل وخلال الحربين الكونيتين ,

وستتحول بفعل ذلك نهاية القرن التاسع عشر الى منتدى للمقايضات الامبريالية ، سواء من خلال "مؤتمر برلين " الاول لسنة 1878 والذي هم اعادة ترتيب اوراق النفوذ الاستعماري بمنطقة البلقان ، او "مؤتمر برلين" الثاني - وهو الذي يهمنا بالاساس - والذي دام مابين 1884 و1885 وعقد من قبل 14 دولة ذات تطلعات استعمارية وعلى راسها المانيا وانجلترا وفرنسا وبلجيكا والبرتغال وفي غياب تام للافارقة مع ان موضوعه كان تنظيم النفوذ بين القوى الاستعمارية  بافريقيا ,

والمانيا الامبريالية المستجدة في الجسم الاوروبي ، كانت لاعبا شرسا ايضا على الخريطة الوطنية ، ويكفي أن نذكر هنا أن "المسألة المغربية" أو "الازمة المغربية" كانت عاملا من عوامل التوترات الدولية المذكية للحرب العالمية الاولى ، وسواء تعلق الامر بالازمة الاولى لسنة 1905 او الثانية لسنة 1911 فان رهان المانيا كان  الحصول على كعكة او قسم من كعكة المغرب التي قسمت بتوافق بين اسبانيا وفرنسا بموجب "مؤتمر الجزيرة الخضراء" لسنة 1906,

ورغم شراء فرنسا للتواطؤ الالماني بقسم من "الكونغو" ، فقد ظلت برغم تحولات الحرب العالمية الاولى واذلال "فرساي "، مشاغبا كبيرا للقوتين الاستعماريتين  الفرنسية و الاسبانية ويكفي في هذا الصدد تسليط الضوء على ادوار الاستخبارات الالمانية في "حرب الريف",

المانيا اليوم ، بعد اعادة التوحيد ،قوة اوروبية مقررة في المجال الاوروبي ، وهي على الصعيد الدولي تتطلع لمقعد بمجلس الامن ، ومن الطبيعي ان تبحث لنفسها عن تجديد النفوذ في غير ما مكان تتيح لها عوامله او ازماته النفاذ ، لذا فواحدة من ادواتها هو "تقليب عقودها الراشية القديمة" كما يقال ، لكن مصيبتها انها تقرأ بعض تلك "العقود" بتوازنات نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرين ، كما لو كان المغرب لا يزال في المزاد الاستعماري ، وتلكم خصلة من خصال العقل الاوروبي المتمحور حول الذات ,,

وعليه ، حينما حاولت الترامي على طاولة الموائد المستديرة حول "موضوع الصحراء المغربية" صرخنا في وجه ديبلوماسيتنا : "إلا برلين" لان وجودنا هناك في موضوع يخصنا هو اعتراف دبلوماسي بمخرجات مؤتمر برلين الامبريالية (وجذور مشكلاتنا الترابية بدأت من هناك),واذا كان الاخوة الليبيون قد سقطوا في هذا المطب لضعف ذاكرتهم التاريخية ، فلا يجدر بأمة ودولة عريقين ان يقعوا في ذلك خاصة حينما يكونون هم "الموضوع" ,

واذا كان علينا ان نفهم المانيا أن المغرب لم يعد مغرب مرحلة "بيسمارك" ، فعلينا ايضا  ان نذكرها هي نفسها انها ما كانت لتوجد كدولة اوروبية ، لولا نجاح مسعى توحيد امتها (وهي حققتها بالحديد والنار وليس بالدبلوماسية) ، وما كان لها ان تستعيد ادوارها الاوروبية والدولية لولا استعادة وحدتها بعد انهيار "الجدار" ,,,

واذا كانت "الوحدة " مهمة لالمانيا ووجودها الاوروبي والدولي فهي بالنسبة لنا اكثر من مهمة مجاليا ، إنها "مقدسة" ,هذا هو الخطاب الذي يجب ان  يسمعه و يفهمه الالمان وغير الالمان .

 

الأستاذ لحسن صابر

05/03/2021