عندما نطلع على مقتضيات الاتفاقية الثنائية بين المملكة المغربية و المملكة الاسبانية التي تم توقيعها بين البلدين يوم 4 يناير 1991  و التي دخلت حيز التطبيق يوم 28 يوليوز 1993 والتي تتعلق بالصداقة و حسن الجوار و التعاون،  نجد كلا البلدين قررا على احترام مبادىء القانون الدولي العام و كذا الابتعاد عن اي ممارسة يمكن ان تمس بعلاقة البلدين و سيادتهما و بالتالي التزامهما باحترام مبدا حسن  النية في التعامل. بمعنى اخر، كل من المغرب و اسبانيا وضعا امام المجتمع الدولي ارادتهما و رغبتهما الخالصتان في مجال الصداقة و حسن الجوار و حسن النية في التعامل و العلاقات و طرد  الازدواجية في التعامل و الخطاب. 

 

لكن ما نراه اليوم و هو ما تغني به كل الصحف و وسائل الاعلام الدولية ان ما قامت به اسبانيا باستقبال شخصية ابراهيم غالي، رئيس البوليساريو،  المعروف  في الساحة القارية و الدولية،  و تستقبله  بهوية مزورة ومتابعا  من طرف القضاء الاسباني  و مطلوبا لديه بجرائم خطيرة  كالابادة و القتل العمد و التعذيب و الاغتصاب و الاختطاف والارهاب (المادة 607،  139,163،164

 174 , 570 من القانون الجناءي الاسباني)  شيء يثير كثيرا من الاستغراب والحيرة. 

 

فالمملكة المغربية كدولة صديقة لإسبانيا لها الحق ان تعلن قلقها و تسائل اسبانيا عن هذا التصرف و لها الحق  حتى في مراجعة اوراقها واعادة النظر  في علاقاتها مع جارتها اسبانيا.  و هذا لا يعني اي مس بسيادة الدولة الاسبانية و لا  اي تدخل في شؤونها. بل هو حق مشروع يتماشى مع مبادي العلاقات الدولية ومع الاتفاقية الثنائية التي سبق ان اشرت اليها.   

فالفضيحة التي ارتكبتها اسبانيا اذا صح التعبير هي فضيحة اثارت و حيرت كثيرا الراي العام الدولي و الحقوقي، إذ وضعت اسبانيا و مصداقيتها امام المجهر و بالاخص في مجال احترام مباديء العلاقات الدولية و حقوق الانسان. اسبانيا اليوم تعطي درسا للمغرب و للراي العام الدولي في " عدم احترام مبدا حسن الجوار " والاساءة لمبدا حسن النية الدي تنص عليه الاتفاقية المذكورة و ترتكز عليه العلاقات بين الدول.  والاخطر من هذا هو وضع القضاء الاسباني، المعروف بنزاهته و تدخله الجريء،  امام واقع لا يحسد عليه.  

 

استقبال ابراهيم غالي، شخص سبق  و ان صدر في حقه يوم 19 نونبر 2016 امر قضائها للمثول امام المحكمة الوطنية للتحقيق رقم 5 بمدريد،  و  ان تستقبله بجواز سفر مزور  في جو من السرية ما هو الا ضربة قوية لاجهزة الدولة و لأمنها و لسمعتها و لسمعة القضاء الاسباني و تضع علاقاتها مع الدول في موضع الشك و الى حد ما في موضع عدم الثقة. 

ترى ما هو الهدف من وراء كل هذا وما ارادت اسبانيا باستقبال شخص متابع امام القضاء الاسباني بجرائم تدخل في صلاحيات المحكمة  الجنائية الدولية طبقا للمادة الخامسة و السادسة و السابعة و الثامنة من قانونها التنظيمي الصادر بروما يوم 17يوليوز 1998. 

نعرف جيدا ان اسبانيا هي من الدول التي صادقت على المعاهدة الدولية ضد التعذيب و العقوبات القاسية و  اللاإنسانية و المهينة الصادرة يوم 10 دجنبر 1987 و التي تجبر الدول على متابعة مرتكبي الجرائم  المذكورة طبقا لمادتها الرابعة. ومن هنا يمكن ان نقول بأن ما قامت به اسبانيا اليوم، ان لم تستدرك موقفها، يعتبر خرقا فضيعا و مخالفا للمعاهدة الدولية المذكورة و لكل المعاهدات و المواثيق الدولية وبالاخص المعاهدة الدولية لحقوق الانسان الصادرة يوم 10 دسمبر 1948.  

شخصيا لدي كل الثقة في القضاء الاسباني و نزاهته و استقلاليته وهذا ما نشهد له و يشهد له المجتمع الأوروبي و الدولي بحيث لم يبق مكتوف الايد أمام قضايا جد حساسة نذكر منها متابعة الملك السابق  للبلاد و الحكم على ابنة الملك و زوجها و متابعة بعض الوزراء و رؤساء عدد من الجهات الى غير ذلك.

 

لكن في حالة عدم تحركه في قضية ضحايا ابراهيم غالي واحترام قراراته و بالاخص قراره  الصادر يوم 19 نونبر 2016 عن المحكمة المركزية رقم 5 للتحقيق للمحكمة الوطنية بمدريد، سمعة القضاء الاسباني امام الرايء العام الدولي وامام المنظمات الدولية الحقوقية و نزاهته و استقلاليته ستضع كثيرا من علامات الاستفهام  الشيء الذي سيفتح المجال بكل مصراعيه لتفعيل المادة 17 من القانون المنظم  للمحكمة الجناءية الدولية. 

 

اليوم اسبانيا هي في ورطة و مأزق سياسي عويص و القضاء الاسباني الذي يعتبر الضمانة الرئيسية لدولة الحق و القانون  يواجه تحديات مصيريه امام الراي العام الدولي و  الحقوقي  و امام منفذ واحد لا غير و  هو ان يبرهن على نزاهته و استقلاليته بتفيعل قراراته و يحرك و بسرعة مسطرة متابعة ابراهيم غالي بالجرائم المنسوبة إليه و لباقي المتهمين ال  27 من حاشيته  و بالتالي فتح تحقيق جديد  حول  الجرائم المرتكبة اثناء دخوله لاسبانيا كالتستر و التزوير و جريمة انتحال الشخصية التي يعاقب عليها القانون الجنائي الاسباني في المادة 390 و المادة  401 و المادة 451 .

 

و في الختام اقول ان العلاقات الدولية  لا تقبل الازدواجية  بل من واجب  الاطراف  ان  تحترم حسن الجوار و الصداقة  و مبدأ حسن النية في التعامل والتبصر في اتخاد القرارات اللازمة لتجنب كل ما يمكن ان يؤثر على العلاقات  و  مبدا الثقة بين الدول رهين ذلك.  و هناك   يبقى  قائما مفعول القولة الشهيرة "معي اوضدي". 

 

ذ. هلال تاركو الحليمي رئيس جمعية المحامين المغاربة و من اصل مغربي الممارسين بالخارج و رئيس جمعية المحامين من اصل مغربي الممارسين بإسبانيا

01/05/2021